Wednesday, July 25, 2007

نظرية الاشتراكية العربية ، للدكتور محمد طلعت عيسى ، الفكر المعاصر ، سبتمبر 1965

تحديد فلسفى لملامح الاشتراكية العربية بين غيرها من الاشتراكيات .
" المقال "
تستقبل المكتبة العربية فى هذه الأيام عددا كبيرا وناضجا من الأبحاث والمؤلفات حول الاشتراكية العربية فى
محاولات جادة لتحديد ماهيتها ومقوماتها . وما من شك فى أن كل محاولة تُبذل فى هذا المجال ، ثروة فكرية
لا غنى عنها فى إرساء معالم تحوّلنا العظيم من النظام الرأسمالى إلى النظام الاشتراكى . وكلما طالعت بحثا أو مؤلّفا
جديدا حول الاشتراكية العربية ، تتزاحم أمامى مجموعة من الأسئلة يبحث كل منها عن جواب ، ولا أنكر أننى
وجدت إجابات شافية على عدد من الأسئلة فى كثير من هذه الأعمال الإنشائية ، وبقيت أسئلة أخرى تلتمس الجواب :
أسئلة تلتمس الجواب
أولا: إذا كانت الاشتراكية العربية تطبيقا عربيا للاشتراكية ، فما هى هذه الاشتراكية التى نطبقها .
ثانيا : وإذ ا كانت الاشتراكية هى النظرية التى تقوم على التفسير العلمى للتاريخ من أجل حلّ المشكلة الاجتماعية
فهل يقتضى بالضرورة أن تكون هذه النظرية هى الماركسية .
ثالثا : وإذا كنّا نعنى بها الماركسية ، فهل تُعتبر الماركسية فعلا أول عمل علمى يقوم على تحليل للتاريخ وللتطوّر
الاقتصادى . أو بمعنى آخر ، هل تُعتبر الماركسية هى النظرية الاشتراكية الأم .
رابعا : وإذا كنّا نصف الماركسية بـ" الاشتراكية العلمية " ، فهل يُعتبر ما عداها من أشكال الاشتراكية ليس "علميا" .
أو أن كل اشتراكية علمية تُنتسب بالضرورة إلى الماركسية .
خامسا : وإذا كنّا نأخذ بوحدة " النظرية الاشتراكية " ، فهل يمكن أن تتجزّأ الأيديولوجية ، فتكون هناك مثلا
ماركسية ملحدة ، وماركسية مؤمنة . أو هل يمكن أن يُعتبر الأشخاص الذين يؤمنون بالماركسية - بغير تحفظ
كنظرية معصومة من الخطأ ، أو نظرية صحيحة كلية ، كما يؤمن بها الشيوعيون - فى نفس المستوى العقائدى
للأشخاص الذين لا يقبلون من الماركسية إلاّ الجوانب التى يرون أنها تناسبهم .
خامسا : ومن جهة أخرى ، هل اشتراكية ماركس وحدها هى التى تنتهى بالشيوعية الكاملة ، أم أن كافة أشكال
الاشتراكية تخضع لحتمية تاريخية تقتضى بتحولها البطئ أو السريع إلى الشيوعية .
سادسا : وأخيرا ، هل التطبيق الاشتراكى فى مصر - بوصفه سابقا للنظرية - يعنى أنه تطبيق لشكل من أشكال
الاشتراكية القائمة بالفعل أم أن التطبيق قد جاء مسبوقا بالاستقراء والاستدلال القائمين على الملاحظة والتجريب
العلمى لواقع المجتمع ، ومن ثم فإن " وحدة النظرية الاشتراكية " لا تسلب عن الاشتراكية العربية أنها شكل جديد
من أشكال الاشتراكية يمكن أن تكون لها فلسفتها المنبثقة عن " النظرية الاشتراكية ".
الاشتراكية والسان سيمونية
هذه الأسئلة هى التى دفعتنى إلى إجراء هذا البحث متحريا التسلسل التاريخى والموضوعية العلمية من أجل الوصول
إلى الحقيقة المجرّدة . وفى ثنايا بحثى كنت أتساءل : لماذا يُسقط الباحثون فى الاشتراكية من حسابهم صاحب
الفضل فى ظهور " علم الاجتماع الحديث " ، وصاحب أول نظرية علمية فى " إعادة تنظيم المجتمع " . لماذا
يغفل الباحثون فى الاشتراكية أنها نظام اجتماعى قبل أن تكون نظاما اقتصاديا أو سياسيا . لماذا تطمس معالم
" النظرية الاشتراكية " القائمة على الاستقراء فالاستدلال فالتنبؤ على يدى " سان سيمون " ومدرسته . ثم أدركت
حقيقة واقعة هى أن السان سيمونية لم يتيسر لأصحابها ممارسة السلطة لكى يطبقوها ويثبّتوا دعائمها كما
تهيّأ للماركسية مثلا . فضلا عن أن الأبحاث التى أجريت على السان سيمونية كنظرية وكمجال للعمل الاشتراكى
محدودة للغاية وهذا هو السبب المباشر فى عدم إدراك دور سان سيمون فى التفسير العلمى للتاريخ . وقادنى التتبّع
العلمى إلى أن سان سيمون هو أول من أرسى الدعائم العلمية للنظرية الاشتراكية فى صورة تخطيط علمى
من اجل " إعادة تنظيم المجتمع " . وإقامة دعائم " مجتمع المستقبل" . ولكن كلمة " اشتراكية " لم ينطق بها
سان سيمون فى حياته . ولم يقدر له أن يهنأ - وهو على قيد الحياة - بوجود مدرسة فكرية تضم المؤيدين أو المعجبين
بأفكاره وكتاباته . وعلى سرير الوفاة عام 1825 ، كان يقف " أنفانتان " و " بازار"و"لرو" و "لامبير" و " بيرون" وغيرهم
وتناقشوا أفكار الفيلسوف الراحل وقرّروا أن يتابعوا رسالته ، وأن يعملوا على تجميع تراثه الفكرى ، وأن يحدّدوا
أركان مذهبه فى وضوح وجلاء ، وظلّوا طوال سبع سنوات يبذلون الجهد والمال ويعقدون الندوات ويلقون المحاضرات
حول ما أسموه " عرْض المذهب السان سيمونى " وحدّدوا الإطار العلمى لتنظيم المجتمع من جديد وفقا للقوانين
التى تحكمه . وفى عام 1832 ، أطلق "بييرلرو" صاحب جريدة العالم - وأحد الأتباع المخلصين الذين أسهموا
بدور إيجابى فى تحديد عالم المذهب السان سيمونى - على " نظرية إعادة تنظيم المجتمع " اسم " الاشتراكية ".
وفى تصورى ، أن كلمة " سوسياليزم " باعتبارها " النظرية الاجتماعية " هى التى أوحت إلى " أوجيست كونت " فيما بعد
باستخدام كلمة " سوسيولوجى " كتعبير عن " علم المجتمع " بدلا من " علم الطبيعة الاجتماعية " أو " العلم
الاجتماعى " . وينبغى أن نفرّق بين النظرية الاشتراكية التى كشف عنها سان سيمون ، وبين الشكل الاشتراكى
المثالى الذى أختاره أتباعه لتطبيق هذه النظرية ، فقوانين المجتمع التى كشف عنها سان سيمون ليست
من صنعه . ولا يمكن أن تكون من صنع أحد ، فالنظام الاشتراكى المنبثق عن قوانين المجتمع أمر تحتمه طبيعى
المجتمع البشرى نفسه ، والنظرية الاشتراكية ما هى إلاّ محصلة التفسير العلمى للتاريخ الذى توصّل إليه سان سيمون .
أمّا التطبيق فقد يأخذ شكلا مثاليا أو واقعيا أو خياليا وما إلى ذلك . وعلى هذا فإن كافة الأشكال الاشتراكية
التى ظهرت فى مجال التطبيق أو ظلت فى إطار الفكر البحت ، ليست إلاّ تطبيقا للنظرية الاشتراكية القائمة على
حتمية تطوّر المجتمع .
دعائم النظرية الاشتراكية
والنظرية الاشتراكية - بحسب المفهوم السان سيمونى - تقوم على الدعائم الآتية :
أولا : إن التسلسل التاريخى يُنبئ أن الطبقة الصانعة التى يسميها سان سيمون " الطبقة المنتجة " ، بوصفها كبيرة
العدد وشديدة الحرمان سوف تتجرّد عن حيائها وتتولى زمام الأمور فى المجتمع ، بينما تنعزل الطبقة غير المنتجة
لأنها تضم العاطلين بالوراثة والذين لا يكتسبون عن طريق " العمل" ، وإنما عن طريق الربح أو الريع أو الفائدة بلا عمل.
ثانيا : يؤكد استقراء التاريخ - الذى يدعو سان سيمون إلى اعتباره فرعا من العلوم لا فرعا من الأدب - إن ظلم
الإنسان للإنسان ينعكس عن فساد النظم . وللقضاء على الظلم فى المجتمع ، ينبغى أن يحدث تحوّل فى النظم
الاجتماعية - التى يثبت فسادها - وذلك لصالح الطبقة العاملة التى هى فى الحقيقة مجموع الأفراد المنتجين
فى المجتمع . ومن أهم هذه النظم ، نظام الملكية ، والنظام الدينى ، والنظام الطبقى . فتاريخ المجتمع هو تاريخ
الصراع بين النظم الاجتماعية مجتمعة .
ثالثا : دعامتا النظام الاشتراكى هما : " التصنيع " ، و " التربية الاجتماعية " . والتخطيط العلمى هو الذى يُهيئ
للمجتمع طريق الاستفادة بموارده وإمكانياته من أجل إشباع الحاجات ، وتحقيق الرفاهية لمجموع المواطنين .
رابعا : " الجماعية " خاصية أصيلة فى الطبيعة البشرية ، والإنسان لا يمكن أن يعيش منعزلا وإنما الحياة فى
جماعة هى سمة وجوده واستمراره . ولكل مجتمع أن يسلك الطريق الذى يحقق الجماعية بالشكل الأكثر ملاءمة
له ، وبما يحقّق القضاء على الأنانية والتفكك. وما من شك فى أن أى دراسة موضوعية لأى شكل من أشكال
الاشتراكية يؤكد وجود العناصر الأربعة التى تضمنتها النظرية الاشتراكية المنبثقة عن الدراسة العلمية المنهجية
للتسلسل التاريخى وللظواهر الاجتماعية ، ووجه الاختلاف بين الأشكال الاشتراكية العلمية هو فى تفسيرها لمعنى
الطبقة العاملة ، ولتاريخ الصراع فى المجتمع ، ولمعانى العدالة الاجتماعية .
أشكال التطبيق الاشتراكى
فإذا كانت الماركسية تُعتبر شكلا ماديا من أشكال التطبيق للنظرية الاشتراكية ، فإن " الفوريرية " تُعتبر شكلا
تعاونيا فى فهم معنى الجماعية ، و " البرودونية " تُعتبر شكلا فوضويا فى تفسير ظاهرة " الملكية " - من يملك -، و" الفابية " تُعتبر
شكلا تطوريا فى الانتقال من النظام الرأسمالى إلى النظام الاشتراكى . وبالمثل ، فإن الاشتراكية العربية تُعتبر
شكلا فريدا فى فهم خاصية الظواهر الاجتماعية والنظم الأساسية فى الحياة الإنسانية . ومن هنا ، أُعتبرت
الأديان ضرورة اجتماعية ، وأن البحث عن حلول للمشكلة الاجتماعية ينبغى أن يكون أولا وقبل كل شئ ، فى
داخل إطار الأديان . كما أن نظرتها للملكية واعتبارها ظاهرة اجتماعية لا يمكن تجريد الفرد فى المجتمع من حق
التملّك ، هو الذى يُضفى على الفلسفة العربية فى " الملكية " بأشكالها الثلاثة ( العامة - التعاونية - الفردية ) ، سمات
إنسانية خلاّقة لا تشترك فيها الأشكال الاشتراكية الأخرى . ومن ناحية النظرة إلى التقسيم الطبقى الاجتماعى
فى المجتمع فإنها تؤمن بأن " الناس درجات " ، ومن ثم ، فإن ذلك يمثّل حقيقة اجتماعية بل وظاهرة عامة
لا يمكن تجريد المجتمع منها . وإنما ينبغى تخليص المجتمع من شوائب الجمود والتحجّر الطبقى بأن تذوب الفوارق
الطبقية بشكل يجعل من اليسير على كل فرد أن ينتقل من المكان الطبقى الذى يوجد فيه ، إلى مكان آخر بجده
وعمله وكفاءته . ولهذا فإن الاشتراكية العربية تُعتبر فى الحقيقة شكلا فريدا فى تطبيق النظرية الاشتراكية
يتّصف بالواقعية القائمة على عناصر الملاحظة العلمية والتجريب والتنبؤ. ويمكن أن نلمس واقعية الاشتراكية
العربية من أنها أقرت أن ( الملكية - من يملك - ، والأديان ، والطبقات ) ، جميعها ظواهر اجتماعية ليست من
صنع الأفراد وإنما من خلْق المجتمع ، وتتصف بالتلقائية والشمول والعمومية . ودور المخطّط - الذى يعمل على
حلّ المشكلة الاجتماعية - هو أن يمنع عنها ( الاستغلال والتسلّط ) ، ويوجههما وفقا لاحتياجات مجتمعه
ومستلزمات القضاء على المتناقضات بشتى صورها . ولهذا فإذا اعتبرنا الاشتراكية العربية تطبيقا عربيا " للاشتراكية " ، فمعنى
هذا أنها تقيم فلسفتها فى حلّ المشكلة الاجتماعية على أساس من " واقع المجتمع العربى " وفقا " للنظرية الاشتراكية " .
ومن المؤكد أن كافة الأشكال الاشتراكية من سان سيمونية وفوريرية و برودونية وماركسية وتطورية وعربية
أو غيرها ، هى جميعها تطبيق للنظرية الاشتراكية يختلف فى وسائله ومسالكه بحسب الفلسفة التى يتمثّلها
كل شكل منها فى القضاء على التناقضات الاجتماعية .
دعائم الاشتراكية العربية
وينبغى أن ندرك حقيقة هامة وهى :
إن أى شكل من اشكال الاشتراكية لا يمكن أن يقوم فى فراغ يعزله عن التجارب الاشتراكية العالمية . وأن هذه
التجارب هى التى تساعد دائما على تحديد الشكل الأمثل والملائم للفلسفة العربية فى حلّ المشكلة الاجتماعية .
ومن جهة أخرى ، إن كوْن الاشتراكية العربية ، تطبيق عربى " للاشتراكية " ، هو التعبير العلمى الملائم
لوحدة النظرية الاشتراكية - التى ينبغى أن يُطلق عليها بحق " النظرية الاجتماعية " - دون أن يسلبها ذلك
حقها فى أن يكون لها إطارها الأيديولوجى الخاص بها . ودون أن يعنى هذا الاستقلال عن غيرها من المذاهب
الاشتراكية المعروفة ، أنها - الاشتراكية العربية - تُنكر أن الأيديولوجية العربية قد استفادت بالضرورة من تجارب
النجاح والفشل التى واجهت " الأيديولوجيات الاشتراكية " الأخرى . ويمكننا من واقع التجريب الاشتراكى
العربى أن نستدلّ على الدعائم الثابتة فى التطبيق العربى للاشتراكية فيما يلى :
أولا : الفرد الحر ، أساس المجتمع الحر ، ويتحقق ذلك بالوسائل الآتية :
الأولى : أن يكون قادرا على اختيار وتحديد أسلوبه فى الحياة بالطريقة الأكثر ملاءمة لقدراته ، واستعداداته دون
أن يفرض عليه شكل هذه الحياة أو طريقتها .
الثانية : التحرّر من الخنوع والإحساس بالقلة وذلك بالقضاء على كل صور العبودية والاستغلال .
ثانيا : الدين ضرورة إنسانية ، والمشكلة الاجتماعية تحلّ داخل إطار الأديان .
ثالثا : تجنب الصراع الطبقى ، وتجميع قوى الشعب العاملة . إذ أن حكم الطبقة ، مهما كانت هذه الطبقة فى القاع
أو الوسط أو القمة ، استمرار للمتناقضات التى قامت الاشتراكية للقضاء عليها . وإن الصراع بأشكاله المختلفة
ليس إلاّ أمرا عارضا تستثيره النظم الفاسدة ، وإن فساد النظم ينبثق عن توجيهها إلى غير الصالح الاجتماعى .
فإذا ما شُكّلت النظم الاجتماعية لصالح طبقة بذاتها - مهما كانت هذه الطبقة مغلوبة على أمرها ومحرومة
من إمكانيات التعبير عن ذاتها فى فترة معينة من فترات التاريخ - فإن هذا التشكيل سوف يؤدى إلى قيام
صراع جديد بين القوى المتمايزة بالضرورة داخل إطار المجتمع .
رابعا: إن للملكية - بأشكالها المختلفة - وظيفة اجتماعية .
خامسا : إن الوحدة القومية هى الطريق إلى وحدة الهدف من أجل رفاهية الفرد والجماعة والمجتمع . ولا يمكن
أن يقضى تعدد النظم الاجتماعية والسياسية فى البلاد ذات الأمل الواحد والتراث الواحد والكفاح المشترك إلى
تفتيت وحدة الهدف .
سادسا : إن الاشتراكية باعتبارها العمل الجماعى لحلّ المشكلة الاجتماعية ، ينبغى أن تنبثق وترتكز على
قاعدة شعبية عريضة ، إذ أنه لا يمكن أن يحدث التغير الاجتماعى المنشود فى المجتمع إلاّ إذا أرادت جماهير
المواطنين أن تحقق هذا التغيّر وتسعى إليه .
سابعا : إن الحرية السياسية لا تتحقّق فى بلد مستعبد أو " تابع " ، ولهذا ، فإن مناصرة الشعوب المتطلّعة
إلى التحرّر من قيود الاستعباد والاستعمار والتسلّط بكافة صوره - ضرورة يحتمها تكامل حرية الفرد وحرية
الشعوب فى المجتمع البشرى - ، كما أن " عدم الانحياز " وعدم التبعية إلى أى من القوى أو المعسكرات المتصارعة
فى العالم يحقّق الحرية السياسية ويحمى الجماهير من التسلط الذى يحرمهم من تحكيم " العقل" والقوى الواعية
فى تسيير تصرفاتهم ومنهجهم فى العمل .
ثامنا : تدعيم حرية العقيدة والتديّن - ومناصرة طقوسها وشعائرها دون أية تفرقة بين دين الأغلية وديانة
الأقليات - باعتبار أن الديانات السماوية جميعها محرّكات فعّالة لطاقات البشر ودعائم لا غنى عنها فى العمل
الحر الخلاّق .
اشتراكيتنا والاشتراكيات العالمية
وعلى هذا ، فإن النظرية الاشتراكية إذا أردنا أن ننسب إليها أى شكل اشتراكى ، فمن الواقعية العلمية أن ننسبها
إلى " قوانين المجتمع " ، كما استقرأها سان سيمون . ومن هنا يصبح القول بأن الشيوعية تطبيق ماركسى
للاشتراكية ، يعنى أن مفهوم كارل ماركس فى حلّ المشكلة الاجتماعية وإعادة تنظيم المجتمع ، يُعرف بـ"الشيوعية ".
وإذا قلنا إن الاشتراكية العربية تطبيق عربى للاشتراكية ، فإن ما نعنيه هو أن المفهوم العربى فى حلّ المشكلة
الاجتماعية ، وإعادة تنظيم المجتمع ، يُعرف بـ" الاشتراكية العربية ". ومع ذلك ، فإن القول بأن للاشتراكية
العربية خصائص ومميّزات فريدة لا يتّصف بها أى شكل اشتراكى آخر ، فليس معنى هذا أننا نقطع بانعزال
اشتراكيتنا عن تيار الفكر الاشتراكى العالمى ، أو عدم اكتسابها لخصائصها كنتيجة لنوبات النجاح والفشل
المصاحبة للتطبيق الاشتراكى العالمى . ولكن هذا لا يعنى فى الوقت ذاته أن الشكل الاشتراكى العربى ليس له
شخصيته المستقلّة المفردة ، لأن محاولة طمس هذه الشخصية تحت ستار وحدة النظرية الاشتراكية ، لا يخدم
قضية الفكر الموضوعى بقدر ما ينحرف إلى تيّار فكرى معيّن . وهنا تكمن خطورة الحكم التعسّفى على أن الأشكال
المختلفة للاشتراكية لا تحمل إلاّ أيديولوجية واحدة ، والخلاف بينهما لا يكمن إلاّ فى مسالك التطبيق وحدها .
فقد رأينا تعددا واضحا للأيديولوجية والمذاهب والأشكال الاشتراكية فى العالم . فالأيديولوجية العربية مثلا ليست
هى بذاتها الأيديولوجية الماركسية أو السان سيمونية أو الفابية وما إليها . فضلا عن أنها تتميّز بمقوّمات جديدة
تجعلها شكلا فريدا فى تطبيق النظرية الاشتراكية .
" انتهى المقال "
من موسوعة " الهلال الاشتركية " نقتبس هذا العنوان وما تحته من شرح يسير ، وهى تشرح تأثير فلسفة
سان سيمون فى شق قناة السويس المصرية ، الصفحات 264 ، 265 :
السان سيمونية فى مصر
وكما كان لمذهب شارل فرانسوا فورييه من تأثيرات خارج فرنسا ، وكان لروبرت أوين أيضا تأثيرات خارج
إنجلترا ، واتجه هذان التياران إلى أمريكا بالذات ، لأن استقلال أمريكا فتح الأبواب أمام المهاجرين والمضطهدين
والمثقفين ، فقد اتجهت السان سيمونية شرقا . والغريب أن روح الفوريرية كانت هى " الزراعة "، أى الهروب
من الصناعة ، وروح الإوينية كانت التعاون ، أى الهروب من الرأسمالية . والغريب أيضا أن السان سيمونية
اتجهت إلى " مصر " . مع أن السان سيمونية تنادى وتتعصب للصناعة . وقد يكون تفسير ذلك أن سان سيمون
كان من دعاة التقريب بين القارات ووصلها ببعضها بالطرق البحرية . وقد تنقّل بين أمريكا وأسبانيا لينصح
الحكام بوصل القارتين الأمريكيتين ، ووصل مدريد بالبحر الأبيض . وأن تلاميذ سان سيمون رأوا أن من الوفاء
لمبادئه أن يذهبوا إلى " مصر " ليحقّقوا حلمه . ولكن الذى يدرس تاريخ " أنفانتان " أكبر أنصار السان سيمونية
وأخلص تلاميذه ، يجد أن نزعة روحية كانت تراود " أنفانتان" إذ يقول فى مذكراته الخاصة :" إن الشرق الغامض
غموض الصحراء ، تلك الكلمة الساحرة المليئة بالضياء والغموض ، والشرق معناه " مصر " ، " مصر " الساحرة
أرض فرعون وموسى وأرض النيل ". وقد كتب " أنفانتان" هذه المذكرات ، وهو فى السجن ، بسبب أن السلطات
طاردته وهاجمته ، وفرّقت أنصاره الذين كانوا قد اجتمعوا يعيشون معا فى " خلوة روحية " لدراسة أحوال العالم
وتنفيذ مبادئ سان سيمون وتعاليمه . وقد وصلت إلى مصر بالفعل جماعة من أتباع مذهب سان سيمون ، بينهم
عشرة مهندسين وتسعة أطباء ، وثلاثة زراعيين ، وبعض الأدباء والرسامين والنحاتين . وقد اتصل السان سيمونيون
بقنصل فرنسا فى " مصر " " فردنالد ديليسبس" ، واتصل معهم بـ " محمد على " - حاكم مصر - وعرضوا
عليه فكرة " شقّ قناة السويس " ، لكن " محمد على " رفض هذه الفكرة - لحكمة لم نعرفها حتى الآن ، وقد
تكون على الأرجح سياسية ، خوفا من الدول الكبرى - وفضّل " محمد على " أن يعمل المهندسون فى إقامة
القناطر الخيرية على النيل . وانتشر السان سيمونيون فى " مصر " ، فأنشئوا مدرسة للرسم بالجيزة ،ومزرعة
نموذجية فى شبرا ، وشاركوا فى بناء " القناطر الخيرية " ، وبقى مشروع " قناة السويس " معلّقا إلى أن استولى
" ديليسبس" على أوراقه ورسومه من أحد المهندسين ، ودخل بالمشورع " الخيالى " إلى نطاق المصالح الدولية
وساعده ضعف النظام فى " مصر" ، وغفلة الحكام ، على تحقيقه لمصالح الدول الأجنبية كما هو معروف .
ولم يبق من السان سيمونية فى " مصر " إلاّ بعض الفنانين والرسامين ، وطُويت صفحة من صفحات المؤثرات
الأجنبية الهامة فى تاريخ مصر الحديث .
"انتهى الاقتباس من موسوعة الهلال الاشتراكية ".

No comments: