Friday, June 29, 2007

الفضائل والرذائل ، قصة قصيرة ، بقلم : سالتيكوف شدرين ، من الأدب الروسى الثورى


ترجمة : محمد بدران ، دار الطباعة الحديثة

كلمة للمترجم :

" وقد كُتبت هذه القصص فى العقد التاسع من القرن الماضى ، وهى تستند إلى حقائق تاريخية وواقعية . غير

أن الرسالة التى تحملها هذه القصص ، والحقائق المرة التى تنقلها ن لا تقف عند حدود أى عصر من العصور

أو قطر من الأقطار ، وهى فى كل جيل تزداد قوة على قوتها ، وواقعية على واقعيتها . وإنّا لنجد فيها أمثلة لما

كان فى بلادنا نفسها ، وما أشبه حال الفلاحين الذى تمثلهم هذه القصص بحالهم التى كانوا عليها أيام الإقطاع

فى بلادنا . وقد قال "ساليتكوف شدرين " عن قصصه قولا هو عين الصواب :" لقد كان غرضى الوحيد من

كتابة قصصى هو أن أحتج بكل ما أوتيت من قوة على الطمع ، والنفاق، والكذب ، والسرقة ، والغدر ، والغباء الخ".

وهى رذائل اجتماعية خليقة بأن تكون على الدوام موضع التنديد والاحتجاج ، ولقد كان هذا أكبر باعث لنا على

ترجمة هذه القصص إلى لغتنا العربية . والقصص التى كتبها " سالتيكوف" فى آخر سنى حياته ، صورة مصغّرة

لعمل الناقد الساخر الذى كان له فضل كبير على التفكير الثورى فى روسيا ".

القصة القصيرة

" الفضائل والرذائل"

"ثار النزاع بين الفضائل والرذائل من أقدم الأيام ، فقد كانت الرذائل تفيد من الحياة أكبر فائدة ، وتؤدى أعمالها

بحذق ونشاط ، أما الفضائل فكانت أقل منها فطنة إلى حد ما ، ولكنها كانت تُضرب بها الأمثال فى جميع مبادئ

التعليم ، وفى كتب المطالعة المدرسية . بيد أنها رغم هذا التكريم كانت تفكّر فى السر قائلة :" ألا يجدر بنا ويُعلى

من شأننا أن ننعم بنعمة قليلة أو نعمتين كما تنعم الرذائل". والحق أن هذا ما فعلته الفضائل فى التو

والساعة.

ويصعب علينا أن نتبيّن سبب النزاع الأول بين الفضائل والرذائل ، وإن كان يبدو أن الفضائل هى البادئة ، فقد

كان الإثم وقتئذ غلاما ناشطا فارها ، يُتقن جميع أساليب المكر والخداع. ولما شرع يجتاز الآفاق بخطاه الجبارة

كأنه الجواد المجلى ويزدهى على العالم كله بأثوابه الحريرية المطرزة بخيوط الذهب ، لم يكن بين الفضائل كلها

ما هو ند له فاغتاظت الفضائل من هذا أشد الغيظ.

وقالت الفضائل وهى تلوح له بقبضتها منذرة ومتوعدة :" لا بأس ، افعل ما بدا لك ، ازده ما تشاء بخزك وديباجك

أيها المدعى الكاذب، لكن الناس سيكرموننا نحن الفضائل بحالنا التى نحن عليها فى أثوابنا الخشنة

الممزقة ".

فردت عليها الرذائل قائلة :" فلتنالى ما تشائين من التكريم ، وليبارك الله فيك".

وكان هذا التهكم أكثر مما تطيقه صديقاتنا الفضائل ، فسارت فى سبيلها تسب الرذائل، وتلعنها فى جميع الطرق

الكبيرة والصغيرة . فكانت تعترض المارة عند ملتقى الطرق ، وهى فى أسمالها البالية ، وثيابها الخشنة ، وتقول

لهم :" أصدقونى القول ، أيها الخلائق الكرام ، ألسنا أعزاء عليكم ، قريبين من قلوبكم ، وإن كنا فى هذه الأسمال."

ولكن المارة كانوا يردون عليهم بقولهم :" يا صاحبات الثياب الرثة ، لقد شاهدنا منكن فى الأيام الأخيرة أكثر

مما نحتمل ، أفسحن لنا الطريق ، ولا تعترضن سبيلنا ، وكان الله فى عونكن .".

وحاولت الفضائل أن تجرّب حظها مع القانون ، وطلبت العون من حماته رجال الشرطة ، وقالت لهم :" أين

أعينكم ، لقد تركتم للناس الحبل على الغارب، إن أول ما يجب أن تعرفوه أن الناس قد غرقوا إلى آذانهم فى الإثم ".

لكن رجال الشرطة لم يفعلوا أكثر من أن يقفوا فى أماكنهم ، ويحيوا الرذائل ، فارتدت الفضائل مرة أخرى خائبة

غاضبة ، وكل ما استطاعت أن تفعله هو أن تهددهم قائلة :" ألا فلتنتظروا ، وستمر بكم فترة من العمل المجهد

المضنى جزاء لكم على أفعالكم ".

وكانت الرذائل فى هذه الأثناء تسير فى طريقها وهى أكثر نشاطا من ذى قبل ، بل إنها أخذت تزهو بنفسها وتشمخ

بأنوفها ، وقالت ساخرة :" ها ، ها ، ألا ما أشد روعتنا ، أتهددن بالعمل المجهد المضنى ، إنه لم يتقرّر بعد ، هل

نواصل السير فى طريقنا . أو لا نواصله ، لكنكن غارقات فى العمل المجهد المضنى حتى آذانكن من يوم أن

ولدتن . ويل لكن أيتها الحقورات الهزيلات النحيلات ، ما بالكن تحملقن فينا ، إنكن تصررن بأسنانكن وأنتن

تنظرن إلى الفطيرة ، ولكنكن لا تعرفن كيف تفدن منها ".

وخلاصة القول ، إن النزاع أخذ يزداد شدة بين هذه وتلك على مر الأيام ، بل وصل فى بعض الأحيان إلى معركة

حامية الوطيس ، ولكن الحظ هنا أيضا خان الفضائل. فقد كانت الرذائل تنتصرن عليهن ، وتصفدهن فى

الأغلال

وتقلن لهن :" قفن مكانكن ولا تتحركن يا مثيرات الشغب والمتاعب".

فكانت الفضائل يقفن فى مكانهن حتى تتدخّل قوى خفية وتطلق سراحهن .

وحدث فى احدى هذه المعارك أن مرّ بهن " إيفانشكا" الأبله ، فتوقف عن السير ، وقال للمحاربات :" ألا ما أكثر

حماقتكن ، ماذا تفعلن بأنفسكن ، لقد كنتن فى أول أمركن متشابهات ، فقد كنتن مجرد صفات ، ولم تُقسمن إلى

فضائل ورذائل إلا على مر الأيام . وذلك بفضل مماحكات الآدميين وتنطعم ، فقد كبتوا بعض الصفات ، وأطلقوا

العنان للبعض الآخر ، وهكذا اختلت دواليب الآلة وتروسها ، ووجد الاضطراب ، والشقاق، والأحزان ، مجالا

واسعا فى العالم ، ولكن خذن عنى ما يجب عليكن أن تفعلنه ، عدن إلى المنبع الأصيل للأشياء جميعها ، فلعلكن

تلتقين عند نقطة معينة ".

هذا ما قال " إيفانشكا" الأبله ، ولما فرغ من قوله ، سار فى طريقه إلى بيت المال ليؤدى ما عليه من الضرائب.

ووضعت المقاتلات سيوفها فى أغمادها ، وألقت ببنادقها إلى جانبها ، وأخذت تفكر - ولسنا نعلم أكان سبب ذلك

هو ما أحدثته أقوال الأبله من أثر فى نفوسها ، أم أن ذخيرتها قد نفذت ، فلم تستطع مواصلة القتال -.

وكانت الفضائل أكثر الطرفين تفكيرا ، فقد عضها الجوع بنابه ، وكانت فقيرة مسكينة . أما الرذائل ، فلم يكد

يصدر إليها الأمر بوقف القتال ، حتى شرعت تجوس خلال الديار ، وتواصل أعمالها السافلة ، وتحيا حياتها

كاملة . وكان " التواضع " أول من تحدث ، فقال :" فليتحدث الأبله ما طاب له الحديث عن الصفات ، فنحن

نعرف عنها بقدر ما يعرف هو ، ولكن ثمة "صفات" تخطر فى الخز والديباج ، وتطعم فى صحاف من الذهب ،

فى حين إن غيرها تسير فى أسمال رثة ، ولا تذوق شيئا من الطعام اليوم كله . إن الأبله اللعين لا يمكن أن يخدعنا

بهذا القول ، لقد ملأ بطنه من الطعام ، ثم جاء يُلقى علينا حكمه ، ولكنك لا تستطيع أن تخدعنا نحن المتمرسات

المجربات ، فنحن نعرف الجمر من التمر".

وزمجرت " اللباقة " وهى شبه مرتاعة وقالت :" و أين عثر الأبله على هذه الصفات ، أليس وقع الاسم غريبا

على أسماعكم جميعا ، لقد وُجدت الفضائل من قديم الزمن ، ووُجدت أيضا الرذائل ، ذلك نظام قائم منذ الآلاف

من السنين ، وقد كُتبت مئات الآلاف من المجلدات الضخمة فى هذه الموضوع ، وبعد هذا يجئ هذا المخلوق ويظن

أنه أكثر الخلائق حذقا ، الفضائل ، لا يا سيدى ، اذهب وابحث أولا فى مئات الآلاف من الكتب ، وانظر ما يعلوها

من الثرى ".

وطال الحديث فى هذا الموضوع ، ثم استقر الرأى على أن ما نطقت به اللباقة هو الحل ، ذلك أن الآلاف المؤلفة

من القرون قد مضت وفيها كانت الفضائل ، فضائل ، والرذائل ، رذائل . وما شأن آلاف الآلاف من المجلّدات

التى كُتبت فى هذه الموضوع ، وما قيمة جبال الأوراق وبحار المداد التى استنفذتها هذه الكتب . ورغم هذا كله

ظلت الفضائل واقفة إلى اليمين ، والرذائل إلى اليسار.

.ثم يُطلب إلينا فجأة ، إذا أخذنا بأقوال الأبله ، أن نمحو هذا كله ونستبدل به " الصفات " أيا كان

نوعها . ألا ما أشبه هذا بأن يتخلى الإنسان عن مكانته ومنزلته ويسمى نفسه " آدميا " فحسب. لعل هذا اللفظ

قد بدا بسيطا سهل الوقع على السمع ، ولكن قد تمر أوقات تكون فيها البساطة شرا من السرقة . اذهب مثلا وألمس

شيئا ما " بكل بساطة" ، إنك ستصادف فى أول خطوة كثيرا من المزالق والمهاوى حتى إنك لتكونن سعيدا إذا

لم تترك رأسك وراءك فى احداها .

لا ، لا فائدة من التفكير فى " الصفات " ، فليفكروا فى شئ آخر إذا كان لابد من حسم الخلاف ( أو الوصول

إلى اتفاق وسط كما يُقال).

قد يكون ثمة نفع إذا توصلنا إلى اتفاق فتشرح له قلوب الفضائل ، ولا يبدو مع ذلك رديئا فى نظر الرذائل ، ذلك

بأن الرذائل تصادفها المتاعب هى الأخرى فى بعض الأحيان . فقد حدث من وقت قريب ، أن قٌبض على " الشبق"

متلبسا بجريمة فى الحمامات ، واُتخذت ضده الإجراءات . وفى تلك الليلة نفسها أًلقى " بالفسق" من فوق المدرج

ولم يكن عليه من الثياب إلاّ قميص النوم . ولم يمض إلاّ قليل من الوقت مذ كان " الألحاد " يصول ويجول ، ثم

أجتثت أصوله الآن . ولهذا يبدو أن اتفاقا من نوع ما لن يكون فى غير مصلحة الرذائل نفسها .

" أيتها السيدات ، وأيها السادة من الفضائل ، ماذا لديكم من الاقتراحات تعرضونها علينا ، وأيكم قد لاحت له

فكرة صغيرة تافهة ".

وكان أول من استجاب إلى هذا النداء ، شيخ أشيب اللحية ضئيل الجسم يُدعى " الخبرة " ( والخبرة نوعان خبيثة

وطيبة ، وكان هذا الذى تكلم من نوع الخبرة الطيبة ) . ، وكان الاقتراح الذى عرضه هو هذا :" ابحثوا عن شخص

كالجوهرة تحترمه الفضائل، ويكون فى الوقت عينه مقبولا عند الرذائل ، فإذا وجدتموه ، فأرسلوه يحمل راية

الهدنة إلى معسكر العدو".

وأخذت الفضائل تتطلع يمنه ويسرة بعض الوقت ، ثم وجدت ضالتها بطبيعة الحال فى اثنتين عزبتين هما : " الاعتدال ، والنظام "،

وكانت كلتاهما يعيشن فى الأحياء القذرة الفقيرة من حى الفضائل . وكان يُظن أنهما يتيمتان ، ولكنهما كانتا تتجران

فى نوع من المشروبات الورحية يقطرانها فى المنزل ، وكانت لهما فى الوقت نفسه صلة خفية بالرذائل.

يُقال

فى الأمثال ، إن الفطيرة الأولى تكون غير متقنة الصنع على الدوام ، ولم تكن الأرملتان ذواتى منظر جذاب ، وكانتا

فى الوقت نفسه بنتين لا تصلحان للمهمة التى أُختيرتا لها . ولهذا فإنهما لم تكادا تضعان أقدامها فى معكسر الرذائل

وتفتحا فميهما بالكلام فتقولان :" قليلا ، قليلا ، لنسر على مهل ، ولنتأكد من موقع خطانا ".

حتى

هبت جماعة الرذائل كلها ، وصرخت فى وجهيهما :" اخرجا من هنا ، فلطالما سمعنا هذا اللغو من قبل ، وما أكثر

ما حاولتما أن تخدعانا بمعسول اللفظ ، ولكننا لا ننخدع به ، اغربا عن أنظارنا ، ووفرا على نفسيكما مشقة الحديث".

وكأنما أرادت أن تُظهر للفضائل أنها لا تنخدع بهذا التهريج ، فأقامت حفلة طرب فى فندق سمرقند دامت طوال

الليل ، ولما همّت بالخروج من الفندق فى الصباح ، ألقت القبض على " التقوى والعفة " وارتكبت مع هاتين

البنيتين المسكينتين من السفالة ما ارتاع له خدم فندق سمرقند أنفسهم ، وقالوا " أولئك شبان حسنو المظهر ، ولكن

انظروا ماذا يفعلون ".

فلما حدث هذا ، أدركت الفضائل أن الأمور قد ساءت إلى أقصى حد ، وأن لابد من علاجها علاجا حاسما . وكان

قد نشأ بينهما فى ذلك الوقت مخلوق ، لا هو ذكر ولا هو أنثى ، ولا هو سمك ، ولا لحم ، ولا رنكة حمراء

طيبة . ولا هو فارس ، ولا سيدة شريفة ، بل فيه قليل من الفارس وقليل من السيدة . نشأ فجأة وأينع ، وقد

سُمى هذا المخلوق الوسط الذى لم تُعرف حقيقته ، والذى ليس بالذكر ولا بالأنثى ، " النفاق".

وكان كل ما يحيط بهذا المخلوق العجيب من بداية أمره ظلاما فى ظلام ، وقد جرى على لسان المعمّرين من أهل

الإقليم أن " الاستسلام " و " الشهوة " ، قد وصلا فى يوم من الأيام إلى اتفاق بينهما فى دهليز مظلم ، وأن " النفاق"

كان ثمرة هذا الاتصال . ثم رُبى ونشأ فى كنف الفضائل ، فلما شبّ " الحق " بمدرسة داخلية ، تديرها السيدة

" كما يجب" ، وهى امرأة فرنسية ، وكانت عادات " النفاق" وأفعاله نفسها مما يؤيد هذا الظن الخاص بنشأة

" النفاق" ، فهو لا يخرج إلاّ مطرق العينين ، ولكن من يراقبونه عن كثب قد لاحظوا أكثر من مرة أن شباح الشهوة

تلوح كثيرا فى وجهه ، وعجيزتيه تهتزان اهتزازا يتنافى مع الأدب ، وما من شك فى أن مدرسة " كما يجب "

الداخلية ملومة إلى حد كبير عن هذا المظهر الغامض. وقد أتقن " النفاق" فى هذه المدرسة جميع الموضوعات

الدراسية الهامة ، كالسير على خط الطباشير ، وعدم السماح للزبد بأن يسبح فى الفم ، وكل شئ يضمن لمن يُتقنه

الحياة الفاضلة ، ولكنه لم يستطع فى الوقت نفسه أن يتجنّب رقصة الكانكان التى تزخر بها جدران المدرسة الداخلية

ويمتلئ بها هؤاؤها نفسه . وكان مما زاد الطين بلة ، أن السيدة " كما يجب" نفسها قد أسرّت إلى " النفاق" بجميع

التفاصيل الخاصة بأبويه . فأما والده " الشهوة " فقد قال عنه إنه كان وقحا سيئ الأدب ، يريد على الدوام أن

يقرصك . أما أمه " الاستسلام " فقد قالت عنه إنه وإن لم يكن بهىّ الطلعة ، كان أسوأ من أبيه أدبا فى هذه الناحية .

وهذا المخلوق الخنثى ، الذى لا يرفع عينيه عن الأرض ، ولكنه مع ذلك يلقى نظرات فاجرة من تحت جفنيه على

كل ما حوله ، هو الذى اختارته الفضائل للمفاوضة مع الرذائل للوصول إلى طريقة للتعايش السلمى ، تمكّن

كلتا الطائفتين من أن تعيش معيشة حرة ميسرة . وأرادت " الشهامة " أن تختبر هذا الطالب ، فقال له :" هل

تعرف كيف تسير فى العمل لمصلحتنا ".

فرد عليها " النفاق" فى دهشة بالغة :" من ، أنا ، سأسير فيه على هذا النحو ".

وقبل أن تفكر الفضائل فى الأمر ، أطرق " النفاق" بعينيه الصغيرتين التقيتين ، وطوى ذراعيه فى صدره ، وكست

وجنتيه البريئتين المتوقدتين حمرة من الخجل غاية فى الجمال. لقد كان فى هذا عذراء بحق ، وأى شئ غير هذا

يجعل الرسول صالحا للمفاوضة .

" ها ، ها ، ألا ما أشد هذا الدهاء ، وما رأيك فى أساليب الرذائل".

ولكن " النفاق" لم يعن بالرد على هذا السؤال . وقررت الفضائل بإجماع الآراء أن يقوم " بزييف " الكاتب العام

الشهير فى " بطرسبيرج" بعمل توكيل عام تسلمه النفاق على الفور لكى ينوب عن الفضائل فى قضيتها .

لقد

كانت مهمة شاقة ،ولكن الفضائل ، رغبت أو لم ترغب ، كان لابد لها أن تُقاضى الرذائل ، وتطلب إليها الاعتذار

عما فرط منها . وعلى هذا ذهب " النفاق" إلى وكرها الكريه . ولما أقبل عليه لم يعرف - وياللعار - أين يُخفى

عينيه ، وقال يشكو بصوت عال :" إن هذه الأقذار قد انتشرت على أوسع نطاق هذه الأيام ". ثم قال فى نفسه :"ألا ما

أعجب الحياة التى تحياها الرذائل ". والحق إنه لم يكد " النفاق" يبتعد ميلا واحدا عن حىّ الفضائل حتى علا

المرح من حوله - من ضحك ورقص وألعاب - وأخذ صوت القصف والطرب يتردد صداه فى الهواء . وأبصر

المدينة التى بنتها الرذائل ، والتى كان منظرها يخلب الألباب ، فهى مدينة واسعة الرقعة ، تسر الأنظار ، بها

طرقات وشوارع واسعة ، وميادين و متنزهات ، وكان من شوارعها " الحنث فى الأيمان " ، وشارع " الغدر"،

بل كان فيها أيضا طريق " العار". وكان لأبى " الكذب" نفسه خباء هناك يبيع فيه "النميمة" بالجملة والأشتات.

ولم تكد الرذائل نفسها تُلقى نظرة على " النفاق" حتى شهقت شهقة كبرى رغم ما كانت تعيش فيه من مرح ، ورغم

براعتها فى ابتكار الحيل وأساليب الخداع ، لقد كان مظهر " النفاق" هو مظهر العذراء البريئة ، ولكن الشيطان

نفسه لم يكن يستطيع أن يعرف أهو عذراء بحق أم لا . بل إن أبا " الكذب" نفسه ، وهو الذى كان يظن أن ليس

فى العالم قدرة يتفوق فيها على غيره ، قد جحظت عيناه حين أبصرتا " النفاق". وقال :" لقد كنت أبله حين خُيّل

إلىّ أنى أكثر الخلق وباء فى العالم ، ولكنى وجدت نفسى لا شئ إذا قورنت بهذا ، فهذا هو ذا الثعبان الحق . ذلك

أن طريقتى فى عمل الأشياء ، أن أعملها علنا وفى صراحة ، وهذا هو السبب فى أنى أحيانا ، ولا أقول غالبا،

أُطرد بركلة ، لتذكّرنى بما فعلت ، أما هذا الكائن البدين ، الجليل القدر ، فإنه إذا التصق بك مرة ، استحال عليك

أن تتخلّص منه ، بل إنك ستتعثر فيه ، ويُمسك بك حتى يمتصك إلى آخر قطرة ".

غير أن " النفاق" لم يسلم من النزاع فى ذلك المكان رغم ما بعثه فيه من حماسة . ذلك أن أكثر المواطنين صلابة

بين الرذائل ، أولئك الذين كانوا يقدّرون التقاليد فوق كل شئ ( كالسفسطة ، والحزق ، وعداء المجتمع ، وأمثالها ).

لم يمتنعوا عن الخروج للقاء " النفاق" فحسب ، بل إنهم حذروا أيضا غيرهم من الخروج للقائه ، وقالوا لهم :" إن

الرذيلة الحقة لا حاجة لها بالاختفاء ، فهى تشرع علمها عاليا ، تتحدى به غيرها جهيرة . وأى شئ جديد ذو شأن

يستطيع " النفاق" أن يكشف لنا عنه ، ولم نكن نعرفه أو نمارسه منذ بداية الزمان ، لاشئ على الإطلاق ، بل

إنه على عكس هذا ، سيعلّمنا التستر، ويرغمنا ، إذا لم نستح من أنفسنا ، على أن نتظاهر على الأقل بهذا الحياء .

إننا لم نعدم حتى الآن أتباعا صادقين ثابتين ، ولكنهم فيما بعد إذا رأوا تسترنا قد يقولون :" لابد أن الرذائل قد

تأزمت أمورها ، فقد انحطت حتى أضحت تُنكر نفسها ، ثم يُدبرون عنا نحن الرذائل - وسيدبرون لا محالة - وما

علينا إلا أن ننتظر".

هذا ما تحدّث به خطباء الرذائل المضرسون ، الذين لا يعترفون بالنزعات الجديدة ، ولا بالمعنويات أو قوة الظروف

ذلك أنهم وقد ولدوا فوق أكوام الأقذار ، يفضّلون أن يختنقوا فيها بدل أن يحيدوا عن تقاليد الآباء

والأجداد.

وكان ثمة طائفة أخرى من الرذائل غير الطائفة سالفة الذك ، لم تتحمّس كثيرا للقاء " النفاق" ، ولم يكن ذلك

لاشمئزازها منه ، بل لأنها قد أنشأت صلات سرية مع الفضائل دون أن تنتظر وساطة النفاق ، وكان من بين

هذه الطائفة " الخيانة "، و " عدم الولاء" ، و " الغدر" ، و " النميمية " ، و " المماحكة " ، وما إليها . فهذه

لم ترفع أصواتها بالتحية ، ولم تستقبله بالتصفيق بالأيدى وشرب الأنخاب ، بل اكتفت بأن تغمز إليه بأعينها خفية

كأنها تقول له :" ها أنت ذا ، مرحبا بك ".

ومهما يكن من شئ ، فإن " النفاق" قد نال نصر مؤزرا ، ذلك أن الشباب من بين الرذائل " كالسكر " و" الفسق" ،

و " العربدة " وأمثالها ، دعت من فورها إلى احتفال ، واستقبلت حامل راية الهدنة استقبالا اضطرت معه " السفسطة " ،

أن تمسك لسانها أبد الدهر. وصاح الشباب من الرذائل فى وجه الكبار منها قائلين :" إنكم تثيرون الاضطراب

بين الخلق أيها السفلة يا من بلغتم أرذل العمر ، إنا نريد أن نعيش ، ولكنكم توهنون عزائمنا بأعمالكم ومواقفكم

، إنا سنوضع فى كتب المطالعة المدرسية - وبدا فى هذا إغراء شديد - ، وسنلمع فى المجتمعات والنوادى ، وستجلنا العوانس ".

وقصارى القول ، إن أسس الوفاق قد وُجدت على الفور ، ولهذا ، فإنه لما عاد " النفاق" إلى أهله ، وأبلغ الأمر

للفضائل ، أجمعت هذه على أن أسباب الانفصال بين الفضائل والرذائل ، وبقائها طائفتين متعاديتين ، قد زالت

إلى أبد الدهر. لكنها رغم هذا لم تجد فى نفسها من الجرأة ما تستطيع به أن تلغى الأسماء القديمة ، وقالى فى نفسها :" ومن

يدرى ، لعل الأمر يعود مرة أخرى إلى ما كان عليه ".

ولهذا قرّرت أن تستخدم هذه الأسماء بحكمة يعرف بها كل مخلوق أنها لا معنى لها إلا الثرى والرماد. وساد

الوفاق ، والتحاب من ذلك الحين بين الفضائل والرذائل ، فإذا بدا " للخلاعة " مثلا أن تقيم بعض الوقت

مع "الزهد " ، تأبطت ذراع " النفاق" ، حتى إذا أبصرها " الزهد " من بعيد جاء ليحييهما قائلا :" مرحبا

بكما ، ادخلا، لقد كنا نتحدث عنكما من وقت غير بعيد ".

وكانت الفضائل والرذائل فى أيام الصوم ، يدعو بعضها بعضا للطعام والشراب اللذيذ المباح فى تلك الأيام .

وفى الأيام التى يجوز فيها الإفطار ، تُقدم كلها على المحرم من الطعام والشراب ، فيرسم الواحد منهما باحدى يديه " الصليب"

، وبالأخرى يرتكب أكبر الآثام ، ويرنو باحدى العينين إلى السماء ، ويحدّق بالأخرى فى الشهوات

لا ينقطع عن النظر إليها أبدا . وذات الفضائل لأول مرة طعم الحلوى ، ولكن الرذائل لم تتخلف هى الأخرى

عنها ، بل إنها كانت تقول بعضها :" إنا لم نذق فى حياتنا مثل ما نذوقه الآن من الطعام اللذيذ".

أما " أيفانشكا " الأبله المسكين ، فلم يستطع أن يسوّى أموره حتى هذا اليوم ، فهو لا يدرى كيف رضيت الفضائل

والرذائل أن تعقد الصلح بينها بوساطة " النفاق" ، وقد كان أكثر اتفاقا مع طبيعة الأشياء أن يلتقى الطرفان على

ذلك الأساس المشترك ، وهذا الأساس المشترك هو أن هذه وتلك ما هى إلا " صفات " ، ثم يتركا الأمر عند هذا الوضع .

"انتهت القصة القصيرة ".

" نقد القصة "

فى الحقيقة هناك ملاحظتان استرعيا انتباهى فى هذه القصة ، وأود عرضهما ونقدهما :

الملاحظة الأولى :

وصف كاتب القصة بأن الفضائل إلى اليمين ، وأن الرذائل إلى اليسار .ولكن فى حياتنا العملية السياسية - فى الأغلب-

فإن هناك من ينتمى لليمين ، ومن ينتمى لليسار ، وليس معنى ذلك ربط الفضائل بأصحاب الاتجاه اليمينى فى

السياسة فقط دون غيرهم ممن ينتمى لحركة اليسار ، ولذا فإننى أود التنويه على قصر " اليمين واليسار " فى

القصة السالفة الذكر مجرد وصف غامض بدلا من كونه تصنيف حقيقى .

الملاحظة الثانية :

وصف المؤلّف كذلك للاعتدال والنظام ، بأن لهما صلات سرية بالرذائل ، ولكن فى الحقيقة ، حينما يكون لهما

صلات سرية بالرذائل ، فهنا يقتربا من " النفاق" ، ويُخلع عنهما صفة الاعتدال والنظام ، وأرجّح أن هاتين الصفتين

ما كان يقصدهما " إيفانشكا" الأبله ، فى البحث عن القاسم المشترك بين الفضائل والرذائل ، وهو - القاسم المشترك -

أنهما " صفات " ، ثم يفترقا بعد ذلك كل فى طريقه بدلا من المعارك الدامية وسط الشارع .



Thursday, June 14, 2007

منْ هو المتقّف الثورى ، بقلم رئيس التحرير : الدكتور زكى نجيب محمود ، أكتوبر 1966



تحليل نقدى للثقافة الثورية وللفكر عندما يكون لذاته ، وعندما يكون فى خدمة المجتمع الصورة من جريدة عقيدتى 6 مارس 2007
" المقال"


استوقف نظرى فيما قرأت منذ قريب ، قولان مختلفان ، لكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة ، فيها من الخصوبة


والثراء ما يوحى للفكر المتأمل بمعان كثيرة غريزة ، من بينها معنى قد يكون هو الفصل الحاسم عند تحديدنا


للمثقف الثورى منْ ذا يكون ، فمتى يكون المثقف مثقفا وكفى ، ومتى يكون مثقفا وثوريا معا . أمّا أحد القولين


فقد صادفته خلال قراءتى لديوان " ابن عربى " " ترجمان الأشواك" ، الذى تولّى فيه " ابن عربى " بنفسه


شرح شعره ، ليبيّن مراميه فى الرموز التى لجأ إلى استخدامها فى ذلك الشعر . وقد أورد فى غضون هذا الشرح


حديثا للبنى عليه السلام يقول فيه :" ما ابتلى أحد من الأنبياء بمثل ما أبتليت " ، مشيرا بذلك - كما يقول


ابن عربى - إلى رجوعه من حالة الرؤية - رؤية الحق - إلى دنيا الناس ليخاطب فيهم من ضلّ ليهديه سواء


السبيل ، أى أن رؤية الحق لم تكن عند النبى عليه السلام هى كل الطريق ، وإنما يكمّلها أن يغيّر الحياة على هذه


الأرض بما يجعلها تعلو إلى الكمال الذى رأى . وأمّا القول الثانى ، فقد وجدته عند " محمد إقبال" ، حينما عاودت


قراءة كتابه " تجديد التفكير الدينى فى الإسلام " إذ وجدته يستهلّ الفصل الخامس من هذا الكتاب بهذه العبارة :


" صعد محمد النبى العربى إلى السماوات العلى ، ثم رجع إلى الأرض ، قسما بربى ، لو بلغت هذا المقام

لما عدت أبدا " ، وهى عبارة قالها - فيما يحكى محمد إقبال - ولىّ مسلم عظيم هو " الجنجوهى " ، ثم يمضى

إقبال فى القول بأنه من العسير - فى ظنه - أن نجد فى الأدب الصوفى كله ما يُفصح فى عبارة عن مثل هذا

الإدراك العميق للفرق السيكولوجى بين نمطين مختلفين من أنماط الوعى : أما أحدهما هو النمط الذى تتميّز به حالة

النبوّة ، وأما الآخر فهو ذلك الذى تتميز به حالة التصوف ، ففى هذه الحالة الثانية - حالة التصوف - ترى المتصوّف

إذا ما بلغ شهوة الحق ، تمنّى ألاّ يعود إلى دنيا الناس ، وحتى إذا هو عاد - كما لابدّ له أن يعود - جاءت عودته

غير ذات نفع كبير للناس ، لأنه سينحصر فى ذات نفسه ، منتشيا بما قد شهد ، ولا عليه بعد ذلك أن تتغيّر أوضاع

الحياة من حوله أو لا تتغيّر ، وأمّا فى حالة النبوّة ، فالأمر على خلاف ذلك ، لأن مشاهدة الحق ، يتلوها رجوع

إلى الناس فى دنياهم ، لا ليقف النبى مما يجرى من حوله موقفا سلبيا غير مكترث، بل ليغامر فيه بما يغيّره ، التغيير

الذى يخلّصه من أوجه الفساد ، ويصعد به نحو مثال الكمال كما ارتسم فى إدراكه الواعى لحظة الشهود. إن إدراك

الحق عند الصوفى هو غاية يقف عندها ، و أمّا النبى ، فهو بمثابة يقظة تصحو بها كوامن نفسه ، حتى لتتحوّل

تلك الكوامن بين جوانحه إلى قوى تهز أركان العالم هزا ليستفيق من سباته ، فيبدّل قيما بالية بقيم جديدة . فكأنما

عودة النبى من حالة "الشهود" - مشاهدة الحق - إلى حالة " الفعل" ، هى بمثابة مقياس يقيس شيئين فى وقت

واحد : أولا : يقيس مدى ما تنطوى عليه المثل العليا التى شوهدت فى حالة الرؤية الروحية ، من قدرة على التطبيق

والإصلاح . ثانيا : ثم يقيس مدى ما تستطيعه الإرادة القوية والعزيمة الماضية من مواجهة الصعاب حتى تزيل

حياة فسدت لتقيم مكانها حياة جديدة منشودة . هذان هما القولان اللذان صادفتهما فيما قرأت منذ قريب ، واللذان

يلتقيان عند نقطة واحدة مشتركة ، هى التفرقة بين رجلين : رجل يرى الحق فتكفيه الرؤية ، ورجل يرى الحق

فلا يستريح له جنب حتى يغيّر الحياة وفق ما رأى . ولئن كنت قد وجدت هذه التفرقة مقصورة على التمييز بين

حالتى التصوّف والنبوّة ، فلست أرى ما يمنع من التوسّع فى التطبيق ، بحيث نجعلهما تفرقة بين المثقّف الذى

ينعم بثقافته ثم لا يغيّر من مجرى الحياة شيئا ، والمثقّف الذى لا ينعم بثقافته إلاّ إذا استخدمها أداة لتغيير الحياة

من حوله ، وفى هذه الحالة الثانية ، يكون المثقّف ، مثقّفا وثائرا معا . لكن هذه التفرقة تحتاج إلى مزيد من التحديد

لأن " الثقافة " كلمة خلقها منْ خلقها من صنّاع الكلام ، لتنقلب على خالقها نفسه شطانا مريدا ، تغالبه فتغلبه

، فهو هو الذى صنعها ، لكنه بعد صنعها عجز عن تحديدها وتقييدها ، وكلما حاول ، وحاول الناس معه ، أن

يحدّدوها ويقيّدوها ، اتسعت فيها رقعة الغموض واشتد الظلام ، كأنها المارد الذى انبثق من قمقمه لينتشر دخانا

يملأ صفحة السماء قتامة وسوادا ، لكننا - لكى نمضى فى حديثنا الراهن - سنفرض أنها - الثقافة - كلمة يُقصد

بها " حصيلة العلم والمعرفة التى حصّلها الإنسان بالموهبة أو بالكسب أو بهما معا " . وعلى هذا الاعتبار يكون

عالم الرياضة وعالم الكيمياء وغيرهما من رجال العلم أفرادا من زمرة المثقّفين ، كما يكون المؤرّخ والشاعر

والفيلسوف ، فهل يجوز لنا أن نقارن بين عالمين من علماء الرياضة ، أحدهما درس الرياضة ولم يطبّقها فى

بناء الجسور ، والآخر ، درسها ثم طبّقها ، أقول ، هل يجوز لنا أن نقارن بين هذين العالمين ، فندعو الثانى بأنه

مثقّف ثورى لأنه طبّق ما قد تعلّم ، بمثل ما نقارن كذلك بين فيلسوفين أو عالمين من علماء الاجتماع أو الاقتصاد

أحدهما عرف واكتفى ، والثانى عرف وطبّق معرفته على مشكلات الحياة الجارية ليحلّها . فنصف الثانى بأنه

مثقف وثورى معا . أحسب أن ثمة اختلافا ظاهرا بين الحالتين ، حالة الرجلين من رجال الرياضة والعلوم الطبيعية

وحالة الرجلين من رجال العلوم الإنسانية ، بحيث تكون صفة " الثورية " حين تُضاف إلى المثقف ، أكثر انطباقا

على ميدان العلوم الإنسانية منها على ميدان العلوم الطبيعية ، فإذا صح هذا ، كانت التفرقة التى أسلفناها ، لنميّز

بها بين " المثقف" المكتفى فى ذاته بثقافته ، و " المثقف الثورى " الذى يجاوز ذاته بثقافته ليمس بها مجرى

الحياة من حوله ، فهذه التفرقة ، تفرقة مقصورة - فى الأعم الأغلب - على أصحاب الثقافة الإنسانية لأنها هى

التى تشتمل على القيم ، والقيم هى التى يصيبها التغيير حين يُقال إن ثورة قامت ، وغيّرت وجه الحياة .

هذا - إذن - وجه من وجوه التحديد ، لكنه وحده لا يكفى ، لأن الذى يغيّر وجه الحياة وفق أفكار مختزنة فى

رأسه ، قد يغيّره راجعا به إلى وراء ، لا دافعا به إلى أمام ، وأظن أن لا خلاف على أن صفة " الثورية " حين

تُضاف إلى " المثقف" ، إنما يُراد لها أن تقتصر على من يدفع الحياة الإنسانية إلى الأمام ، تقابلها صفة " الرجعية "

لمنْ يريد من أصحاب المعرفة أن يرد الحياة إلى الوراء ، لكننا ما دمنا ننشد الدقة الدقيقة فى استخدام كلماتنا ، فلا بدّ

لنا من البحث عن الفرق بين " الأمام " و" الوراء" ، لأن هذه التفرقة لا تكون مفهومة إلاّ بالنسبة إلى هدف معلوم

فإذا كان هدفى - وأنا ساكن فى القاهرة - هو الوصول إلى الإسكندرية ، فالسير إلى الشمال سيْرا إلى الأمام .

والسيْر إلى الجنوب سيْر إلى الوراء ، لكن قد يكون هدفى هو أسوان ، فعندئذ يكون السيْر إلى الشمال سيْرا إلى

الوراء ، والسيْر إلى الجنوب سيْرا إلى الأمام ، وإذن ، فاستخدام " الأمام " و " الوراء" ، لا يتم معناه إلاّ مقرونا

بالهدف المنشود . فما هو الهدف الذى يجعل التغيير الذى يُحدثه المثقّف فى الحياة تقدّما إلى الأمام ، أو رجوعا

إلى الوراء ، يُخيّل إلىّ أن الفيصل هنا هو " مسار التاريخ " ، فلو وقعنا فى مسار التاريخ على خصائص بعينها

كان تأييدها وتعميقها ، دفعا بالحياة إلى أمام ، ويكون تعويقها دفعا بالحياة إلى وراء . ويُخيّل إلىّ كذلك أن ثمة

طائفة من ملامح ، لا اختلاف عليها ، هى التى يجاهد التاريخ فى تحقيقها ، كالحرية لأكبر عدد ممكن من الناس

والعلم لأكبر عدد ممكن من الناس ، وهكذا . لقد كانت هناك حرية دائما ، لكن الفرق هو فى عدد منْ يتمتعون

بها ، وقد كان هناك علم دائما ، لكن الفرق هنا أيضا هو فى عدد من يُتاح لهم تحصيله ، والتاريخ سائر نحو توسيع

الرقعة من فرد واحد إلى قلّة إلى كثرة إلى كل أفراد البشر إذا كان ذلك مستطاعا ، وبهذا يتحدّد معنى " المثقّف الثورى "

فيما أرى : هو منْ أدرك مُثلا جديدة للحياة الإنسانية ، ثم لم يقف عند مجرّد الإدراك ، بل حاول تغيير الحياة

وفق ما أدركه، شريطة أن يجئ هذا التغيير فى الاتجاه الذى يسير فيه التاريخ من حيث توسيع الرقعة البشرية

التى تتمتع بما كان مقصورا على القلّة من جوانب القوة ، والحرية ، والعلم ، وسائر أوجه الكمال كما ارتسمت

فى تصوّر الإنسان منذ أقدم عصوره . على أن المُثل الجديدة التى ترتسم فى ذهن المثقّف المعتزل فيكفيه ارتسامها

والتى يحاول المثقف الثورى أن يجاوز بها حدود ذهنه إلى حيث العالم الخارجى ليُرغم هذا العالم على أن ينقاد

للمُثل الجديدة ، وأن يتشكّل على أساسها ، ليست مجرّد رغبات وأمنيات يرغب فيها المثقف لنفسه ويتمناها لذاته

وإلاّ لما استحقت أن تُسمّى " مُثلا" ، أى " نماذج" تُحتذى ، ولكم وودت فى هذا الموضع من الحديث أن كانت

تكون لى القدرة فى اللغة العربية لأجد لفظتين متقاربتين فى الجرْس ، متباينتين فى المعنى ، أقابل بهما كلمتين

فى اللغة الإنجليزية هما : ideals, ideas ، فالأولى " أفكار" ترتسم فى ذهن صاحبها ، والثانية " أفكار

تتحوّل إلى نماذج " لصاحبها ولغير صاحبها على السواء . وهنا يكمن الفرق البعيد بين ما يتمنّاه الإنسان لنفسه

ولحياته بحيث لا يعنيه أن يتغيّرمن الناس سواه ، وبين ما يتمنّاه للناس جميعا على تفاوت الدوائر فى الاتساع .

فأحيانا يكون جميع الناس هم أبناء الوطن الواحد ، وأحيانا أخرى يكون جميع الناس هم أفراد الأسرة البشرية

كافة . إنّ الفكرة لا تكون مثلا أعلى ، إلاّ إذا آمن بها صاحبها إيمانا يدعوه إلى تطبيقها على نفسه أولا ، ثم

إلى العمل الجاد فى تطبيقها على سائر الناس . فلو كنت - مثلا - أتمنى لنفسى منزلا أملكه وأسكنه ، كانت

هذه فكرة مبطنة برغبة ، وأمّا إذا تمنّيت لكل أسرة على أرض الوطن أن تملك مسكنا ، فعندئذ تتحوّل الفكرة مثلا

أعلى . وبعد ذلك قد أقف عند ارتسام هذا المثل الأعلى فى صفحة ذهنى ، لكننى قد أجاوز ذلك إلى محاولة التنفيذ

والتحقيق بكل ما عندى من إرادة مصمّمة ، وها هنا أصبح " المثقف الثورى " الذى يرى المثل الأعلى بذهنه

ويسعى إلى تجسيده فى الحياة الفعلية بإرادته . وما أبعد ما يختلف به " المثقفون الثوريون " فيما يحاولون تطبيقه

على حياة الناس من أفكار ، رأوها ، ثم عاشوها ، ثم همّوا بتحويل مجموعة الناس على أساسها ، وهاك بعض

"سقراط"

الأمثلة الموضّحة نسوقها من تاريخ الفكر الفلسفى بصفة خاصة : " سقراط" هو مثلنا الأول ، نسوقه نموذجا

للمثقف الثورى الذى تتمثّل فيه الخصائص التى بينّاها فى الأسطر السابقة ، هاله أن يرى الناس يسلكون فى حياتهم

على غير مبدأ ، فما يفعله هذا عن إيمان ، قد يفعل نقيضه شيئا آخر وعن إيمان كذلك ، كأنما أمور العيش مرهونة

بأمثال هذه النزوات المجنونة الهوجاء ، وكأنما أمور العيش هذه يستحيل عليها أن تنطوى تحت أحكام عقلية يتساوى

فيها جميع الناس على حد سواء ، فهل يجوز لرجلين أن يذهب كل منهما على هواه فى زوايا المثلث ، كم يكون

مقدارها . كذلك- فيما اعتقد سقراط - ينبغى أن تكون حالهم فى أمور الحياة الجارية ، فإمّا أن تكون الفكرة

صوابا ، على أساس علمى عقلى ، فيأخذ بها الجميع ، وإما أن تكون خطأ فيرفضها الجميع ، تلك إذن هى الصورة

التى ارتسمت فى ذهن "سقراط" ، وكان يمكن أن يقنع بها ويستريح ، لكنه بدأ بنفسه أولا ، وأخضع تلك النفس

إخضاعا ، لا هوادة فيه ، لأحكام العقل ، فى كل صغيرة وكبيرة من صغائر الحياة وكبائرها . وهنا أيضا كان

يمكن أن يرضى بذلك ويستريح ، لكن صوتا قويا أخذ يدوى فى فؤاده ، ألاّ يستريح وألاّ يطمئن ، حتى يحمل

سائر الناس على قبول ما قد ارتسم فى ذهنه ، فطفق يجوب فى الطرقات وبين المتاجر ، ويطوف بالأصدقاء

ويجتمع حوله التلاميذ يناقش ويناقش ، ويحاور ويحاور، حتى يتبيّن له وللناس جميعا وجوب أن يكون زمام الأمور

كله لمبادئ العقل ، أعنى وجوب أن تُؤسّس الحياة على العلم ، فلا نزوة ولا رغبة ولا عاطفة أجدى على الإنسان

من عقله . فلئن كانت التفرقة متعذّرة بين نزوة ونزوة ، ورغبة ورغبة ، وعاطفة وعاطفة ، ففى ميدان العقل

وحده ، لا يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، ها هنا يكون الفرق واضحا بين الصواب والخطأ ، بين الهدى

والضلال . غير أن الحياة بدفعة العاطفة سهلة ميسرة ، وأما الحياة مقيدة بقيد العقل ، ولجامه فصعبة عسيرة

ما أهون أن تحب شيئا فتأخذه ، وأن تكره شيئا فتنفر منه وتتركه ، لكن ما أشق أن يُصرفك العقل عن شئ تحبه

وأن يُرغمك العقل على شئ تكرهه ، ولذك جاءت دعوة " سقراط" إلى احتكام الناس إلى عقولهم فى أمور الحياة

اليومية ، جاءت دعوة مضنية مرهقة . فما استراح الناس عندئذ إلاّ بعد أن جرعوه " السم " ليموت وتموت

معه دعوته ، فنيصرفوا من جديد إلى دفعة النزوة والهوى بغير وازع من العقل ، ولا رادع من العلم . فلو كان

" سقراط" مثقفا ، وكفى ، لنعم بفكرته وعاش ، ولكنه أبى إلاّ أن يكون مثقفا ثوريا ، يحاول تغيير الناس وتبديل

الحياة ، فمات ضحية دعوته ، لكنه مات سعيدا برسالته .

" أفلاطون"

ومثلنا الثانى للمثقف الثورى هو " أفلاطون" ، ارتسمت فى ذهنه صورة عقلية للدولة المثلى كيف تكون ، بحيث

تجئ دولة قائمة على دعامة العدل ، وأخذ فى محاورة " الجمهورية " يفصّل القول فى صورة هذه الدولة العادلة

بادئا ببحث مستفيض - على طريقة المحاورة - فى معنى " العدل" الذى يريده ، متناولا بالتحليل معنى بعد

معنى ، وزعما فى إثر زعم ، حتى ينتهى إلى ما ظنّه هو معنى العدل المقبول عند العقل ، وهو أن تتاح الفرصة

لجميع الأفراد ، بحيث يوضع كل فرد فى المكان الذى يلائم طبيعته واستعداده وقدراته ، قائلا فى ذلك إن الدولة

هى " فرد " كُتب بخط كبير، فما يكون فى الفرد الواحد ، يكون فى الدولة ، إلى آخر ما ذهب إليه من تفصيلات

فى رسم الصورة المثلى مما أحسبه قد بات معرفة شائعة عند أوساط المثقفين . ولو اكتفى "أفلاطون" بهذه الصورة

العقلية للدولة ، يتصوّرها ويرسمها فى كتابه مفصّلة ، لعددناه " مثقفا " ، يرى " الفكرة " ويحلّلها ، ويصل إلى

النتائج التى يطمئن إليها ، فيسترخى ، ويستريح ، لكنه كان " مثقفا ثوريا " بالمعنى الذى حددناه ، وهو أن يلتمس

طريق التنفيذ لفكرته التى ارتآها ، فما أرسل إليه " ديونيسيوس " الشاب الذى آل إليه الحكم فى " سرقوسا " بجزيرة

صقلية ، بعد أبيه ، أقول ما أرسل إليه هذا الحاكم الشاب يدعوه لتطبيق فكرته على دولته ، حتى لبّى دعوته فرحا

لأنه أراد أن يشهد فكرته مجسّدة فى حياة ، ولكن الملك الشاب سرعان ما ضاق بالفلسفة وقيودها ، وكان يبطش

بالفيلسوف ، لولا أن الفيلسوف لاذ بالفرار عائدا إلى أثينا ، وتمضى أعوام ن ويعود " ديونيسيوس" مرة أخرى

إلى دعوة " أفلاطون " ، ليحاول تطبيق فكرته محاولة ثانية ، ويقبل فيلسوفنا الدعوة برغم ما كاد يتعرّض له

من أذى فى الدعوة السابقة ، وذلك لشدة رغبته فى أن يجاوز بفكرته حدود ذهنه إلى حيث العالم الحىّ ، لكن الذى

حدث للحاكم الشاب من ضيق فى الزيارة الأولى ، عاوده فى الزيارة الثانية ، وفرّ " أفلاطون" من تعذيب أوشك

هذه المرة أيضا أن يناله من الحاكم العابث ، كما فرّ فى الدعوة الأولى . والحاكم الشاب هنا فى ضيقه ، هو كشعب

أثينا ، فى حالة "سقراط " حين ضاق الشعب بدعوته إلى الأخذ بأحكام العقل دون نزوات الهوى ، ففى كلتا الحالتين

مثقف ثورى يُدرك الفكرة ، ولايريد قصرها على نفسه ، فيتركها حبيسة رأسه ، بل يخرج بها إلى الحياة الواقعة

فيجد الناس على عناد وتشبث بما ألفوه ، فيكون الصراع وما يؤدى إليه الصراع من غلبة هنا أو هناك . فقد تكون

الغلبة لصاحب الفكرة ، فتتغيّر الحياة ، برغم عبيد العادات المألوفة ، أو قد تكون الغلبة لهؤلاء على صاحب الفكرة

فتختفى الفكرة ، حتى ينهض لها على مجرى التاريخ داعية جديد

" الغزالى "

وفى ظنى أن " الغزالى " - فى تاريخ الفكر الإسلامى - هو خير الأمثلة التى تُضرب للمثقف الثورى ، لأنه

غيّر بفكره حياته وحياة الناس من بعده لعدة قرون ، فليس الفرق بين المثقف ، والمثقف الثورى ، فرقا فى الكم

بحيث يكون الثانى أغزر إنتاجا من الأول ، أو أكثر فكرا منه ، بل هو فرق فى " الكيف " ، لأن الأول والثانى

معا كليهما " يعلم " ، لكن الثانى - المثقف الثورى - وحده هو الذى ينقل العلم إلى عمل وسلوك . " فالجاحظ"

و " أبو حيان التوحيدى " يمثّلان قمة ما وصل إليه المثقف العربى فى العصور القديمة ، بمعنى الثقافة العامة

الذى لا يتخصّص فى فلسفة أو لغة أو فقه أو نحو ذلك ، لكن لا " الجاحظ" و " أبو حيان " كان ثوريا فى ثقافته

لأنك تقرأ لهما فتزداد " علما " ، لكنك لا تدى كيف تغيّر من أوضاع حياتك وفق هذه الزيادة العلمية ، وأما " الغزالى "

فشأنه غير هذا ، لأنك تقرأ له ، فإذا أخذت بوجهة نظره ، كان لابدّ لك من تغيير أسلوب الحياة والنظر ، فها هو

ذا رجل يقول لك إن التجربة النفسية - لا المنهج العقلى - هى طريقك إلى رسم خطة الحياة ، وأن الحياة المثلى

هى الحياة الروحية العملية فى آن ، فالروحانية بغير عمل خواء ، والعمل بغير روحانية جفاف ويأس ، وألّف

" الغزالى " كتاب " الإحياء" ليبث به فى علوم الدين حياة جديدة يتحقق بها ما قد أوصلته إليه تجربة نفسية مارسها

وعاناها .

" جمال الدين الأفغانى "

ونعبر القرون لنصل إلى تاريخنا الثقافى الحديث ، فنرى الأمثلة واضحة للمثقف المعتزل، والمثقف الثورى وأبدأ

ب" جمال الدين الأفغانى " الذى هو " سقراط " حياتنا الفكرية الحديثة ، يطوف كما كان يطوف " سقراط" ويجادل

ويناقش كما جادل " سقراط " وناقش ، ويخلق التلاميذ والأتباع كما خلق " سقراط " تلاميذه وأتباعه ، يُشعل

الروح كما أشعل ، ويوقظ فى النفوس كما أيقظ ، نعم إن رسالة " الأفغانى " لم تكن هى رسالة " سقراط " لكن

الآداء واحد فى الحالتين . كانت رسالة " سقراط" - كما أسلفنا - أن يكون الاحتكام فى أمور الحياة كلها إلى

العقل وتجريده المنطقى الخالص ، وكانت رسالة " الأفغانى " أن يكون الاحتكام إلى " القومية الدينية " المفهومة

على ضوء العقل ، لا على ضلال الخرافة ، لكن طريقة الآداء عند الرجلين متشابهة ، فكلاهما مثقف ثورى لأن

كليهما لم يكفه أن " يعرف" لنفسه ، بل أراد أن يعرف للناس من حوله .

" محمد عبده "

ويجئ بعد " الأفغانى " إمامنا " محمد عبده " ، فيكون هو " أفلاطون " حياتنا الفكرية الحديثة ، فهو تلميذ " الأفغانى "

كما كان " أفلاطون " تلميذا " لسقراط" ، وهو يستقر للكتابة والدرس والمحاضرة بعد تطواف أستاذه " الأفغانى "

كما استقر " أفلاطون" للكتابة والدرس والمحاورة بعد تطواف أستاذه " سقراط" . كان مستقر الإمام هو الأزهر

وكان مستقر " أفلاطون " هو الأكاديمية ، كلاهما يتصوّر بعقله حياة جديدة ، ويجعل وسيلته إلى إقامتها تعليم

الناس ، وتنوير العقول ، لم يكن الإمام " محمد عبده " يدرس ما يدرسه ليزداد فقها لنفسه ، بل كان يفعل ذلك

ليزداد فقها بما يغيّر دنيا الناس . كان يفعل ذلك ليُصلح وليبنى ولينشئ وليعلم وليربى ، لم يكن "مثقفا " وكفى

بل كان " مثقفا ثوريا ". وقُل هذا فى " قاسم أمين " وفى " لطفى السيد " ، فالأمر فيهما أوضح من أن يحتاج

إلى شرح وتوضيح ، الأول يكتب ليغيّر أوضاع الحياة بالنسبة إلى نصف الشعب " المرأة " . والثانى يكتب ليؤصّل

حياة سياسية على أصول ديموقراطية ، كلاهما " مثقف ثورى " ، يحصّل العلم ، لا ليضعه فى رأسه كما توضع

الآثار فى المتحف ، بل ليتخذ منه أداة فعل وعمل وتطوير وتغيير . إنّ التفرقة بين " المثقف" و " المثقف

الثورى " هى نفسها التفرقة بين " العلم للعلم " و " العلم للمجتمع " ، نعم ، إنه لا مراء فى أن العلم فى

حد ذاته قيمة ، فمنْ يعلم خير ممّن لا يعلم ، مهما تكن مادة علمه ، لكن العلم الذى من شأنه أن يعالج مشكلات

الناس فى حياتهم اليومية ، فيه علم وزيادة ،فيه قيمة للعلم مضافا إليها قيمة التطبيق ، والحق إنى - بحكم

ما أذهب إليه فى فلسفة المعرفة بصفة عامة - لا أعترف بعلم لا تكون فيه قابلية التطبيق ، بل لا أدرى كيف

يكون ذلك . اللهم إلاّ فى حالة واحدة ، وهى أن يجعل الدارس من نفسه " ذاكرة " تحفظ ما قاله الأولون ، وعندئذ

لا يكون ثمة " علم " بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، بل يكون فى رأس الدارس " مكتبة " يرجع إليها كما يرجع

إلى الكتب المرصوصة فوق الرفوف. العلم علم بشئ ، ولا يتم لك مثل هذا العلم إلاّ إذا ألممت بذلك الشئ حلا

وتركيبا ، ومن ثم ، تصبح لديك القدرة على التصرف فيه تصرفا تخدم به أغراضك ، ولذلك قيل إن " العلم قوة "

أعنى أن " العلم قدرة " ، قدرة على تغيير جزء من العالم الخارجى - جزء كبير أو جزء صغير - تغييرا يصيّره

بيئة صالحة لحياة أفضل ، قدرة على أن أجعل من الماء مصدرا للرىّ ولتوليد الكهرباء وتسيير السفن ، وعلى

أن أجعل من الهواء أجنحة للطيران ، وأسلاكا تنقل الصوت والصورة من مكان إلى مكان . ليس العلم حالة

بكماء خرساء ، نقف بها إزاء الدنيا متفرجين لما يحدث دون أن نغيّر بها تيار الحوادث ونوجّهه كيفما نشاء .

فما لم العلم " قوة " أو " قدرة " على إخصاب الأرض ، وإزالة المرض، وتنقية الهواء والماء ، وتيسير الانتقال
وغير ذلك من إقامة جوانب الحياة ، فماذا يكون .
هذا ما أذهب إليه فى فلسفة المعرفة بصفة عامة حتى لأرفض " التأمل " بالمعنى الذى يركّز المفكّر به فكره
فى لا شئ ، - وأعنى لا " شئ" بالمعنى الحرفى لكلمة " لاشئ" - فكل علم متعلّق ب" شئ" ، " بظاهرة " لنبقيه
على حاله إذا كان صالحا لأغراضنا ، أو لنغيّره بما يخدم تلك الأغراض . وإذن فعندى أن " المثقف" لا يتم تكوينه
إلاّ بأن يكون مثقفا يستخدم ثقافته فى حياته ، على أن أصحاب الثقافة يعودون بعد ذلك ، فيتفاوتون ، فمنهم منْ
يقصر استخدام ثقافته على حياته الخاصة ، ومنهم من يتأرق وكأنه يرقد على شوك ، ما لم يستخدم تلك الثقافة
فى رقعة أوسع من حياته الخاصة ، رقعة قد تمتد حتى تشمل الوطن، وقد تُمعن فى الامتداد لتشمل الإنسانية كلها
فعندئذ يكون مثل هذا الرجل أجدر الناس بصفة " المثقف الثورى " .
"انتهى المقال للدكتور زكى نجيب محمود أكتوبر 1966"
"لا فضل لعربى على أعجمى ، ولا لأعجمى على عربى ،
ولا لأبيض على أسود ، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى "
"خيركم من تعلّم العلم ، وعلّمه "
"كلكم لآدم ، وآدم من تراب "
محمد بن عبد الله
نبى الإسلام



Friday, June 8, 2007

حاربوا الفقر ، وتمسّكوا بالاشتراكية الإسلامية -التكافلية


الصورة من جريدة النبأ الوطنى 27 / 6 / 2007


" لو كان الفقر رجلا ، لقتلته "

الإمام علىّ بن ابى طالب

كرّم الله وجهه