
عرض سيرة " ماتسوشيتا " من كتاب " رجال صاغوا القرن العشرين " لـ"فؤاد شاكر"
إنه ليس زعيما سياسيا ، ولا بطل حرب ، ولا نجما سينيمائيا ، ولا مبتكر نظرية علمية . رجل قصير القامة
نحيف الجسم ،عزوف تماما عن الظهور فى الحفلات والاجتماعات العامة ، مُعرض كل الإعراض عن الإدلاء
بأحاديث وتصريحات للصحافة وللإذاعة والتليفزيون ، ليس له فيلا فاخرة ، أو قصر منيف ، أو سيارة ذا ماركة
عالمة أو طائرة خاصة ،ولم يخرج قط للتجوال والسياحة والترويح عن النفس خارج اليابان . كما أنه لم يمارس
العطلة الأسبوعية أو السنوية إلا نادرا . وشئ مهم ، بل على جانب كبير من الأهمية ، لم يكن بخيلا ممسكا
بل كان معطاء سخيا كريما ، وربما أكثر من أى شخص آخر فى اليابان ، فعائد شركاته - وحده - فى عام
وفاته 1989 ، بلغ 42 بليون دولار ( نعم بليون أى مليار أى ألف مليون ). وبلغ عام 1996 (65 بليون دولار ).
إن هذا المواطن اليابانى العجيب الفريد ، الذى صنع نفسه بنفسه وبدأ كما يُقال من تحت الصفر ، عاصر أحداث
القرن العشرين كلها تقريبا ، وشهد مأساة تدمير وإذلال بلده وشعبه وإمبراطوره فى الحرب العالمية الثانية ، وأصابه
من ذلك قدر محبط كبير ، لكنه صبر ، وصمد ، وبدأ مرة أخرى من الصفر - كما سبق وفعل ذلك أكثر من مرّة -
واستعاد أكثر مما اغتصبه الأمريكان منه ، أعطى معظمه لبلده ، لشعبه ، لصناع السياسة والإدارة فى دولته ، لأجيال
المستقبل فى وطنه ، وانتزع اعترافا مكتوبا من رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، هو بمثابة رد اعتبار علنى
له ولليابان بأجمعها ، وذلك من خلال البرقية التى أرسلها الرئيس الأمريكى إلى "مازاهارو ماتسوشيتا"
يعزيه فى وفاة والده ، جاء فيها :" أرجو قبول تعازى القلبية لرحيل والدك " كوتوسوكى ماتسوشيتا" . إن
السيد ماتسوشيتا ، كان مُلهما للناس حول العالم بعمله الجاد الشاق ، وبرؤيته الصائبة بنى " مؤسسة " ماتسوشيتا
كواحدة من أكبر المؤسسات الصناعية فى عصرنا ، ورائدة فى التكنولوجيا الحديثة ، وفى الوقت نفسه وعى السيد
ماتسوشيتا بعمق المسئوليات ، والالتزامات الكبرى التى يجلبها النجاح ، لقد عمل بقوة شاقة من أجل الإدراك
العالمى وسلام سكان الأرض ، واستحث اليابان لكى تتبوأ عضويتها الكاملة فى المجتمع الدولى ، وتساعد الآخرين
على تحقيق الرخاء الذى سعى اليابانيون بجهد شديد فى العمل على بلوغه ، إننا سوف نفتقده ، إلاّ أن روحه ستبقى
دائما معنا ، أفضل تمنياتى الطيبة لكل أسرتك فى هذا الوقت الحزين " المخلص جورج بوش. .
فى القرية
وُلد " ماتسوشيتا " فى قرية "وازامورا" التى تبعد سبعة وثلاثين ميلا عن مدينة " أوزاكا" ، التى تبعد بدورها
مائتين وأربعين ميلا إلى الجنوب الغربى من العاصمة طوكيو . الأسرة فقيرة نسبيا ، لكنها ليست بائسة أو مُعدمة
وتاريخها يرجع إلى القرن السابع عشر . جاء آخر الأبناء ، بعد خمس أخوات وأخوين ، ولد فى العام نفسه 1894 ،
الذى أنجز فيه توماس إديسون ، ابتكار أول آلة عرض سينيمائى . فى عام 1899 ، تعرضت الأسرة لأزمة
اقتصادية حادة ، فكان لا مفر من أن تترك بيتها المتوارث الفسيح ، لتسكن فى كوخ حقير متداع خارج نطاق
القرية ينقصه كل شئ ، حتى ضرورات المعيشة الأساسية البسيطة بعد أن ضاعت أرضها فى المضاربة .
فساءت صحة الأبناء وبدأ المرض يغشاهم ، ثم اقترب الموت يطرق بابهم .
من المدرسة إلى العمل الشاق
فى عام 1901 ، بدأ " ماتسوشيتا" تعليمه المدرسى فى القرية ، كان ترتيبه فى التحصيل متوسطا بين زملائه
المائة فى الفصل ، إلا أن المعلم كان طيّبا عطوفا يسمح لتلاميذه بزيارته فى بيته ، فيكرمهم ويتيح لهم اللعب فى
حديقته أو بالشطرنج ، وكثيرا ما كان " ماتسوشيتا " يفوز فى اللعب ، فيطلب المعلم من التلاميذ أن يصفّقوا له
فكانت هذه هى المناسبة الوحيدة التى شعر فيها بالابتهاج منذ صباه ، مع سروره بقطف بعض ثمار الحديثة الطازجة
والتلذذ بأكلها إلا أن مما كان يخجله ، ملابسه غير اللائقة بين أقرانه ، ولم يواصل تعليمه . ساءت أحوال الأسرة
فاضطر أبوه إلى إرساله للعمل صبيا فى "لوزاكا" 1904 ، عند صاحب ورشة صغيرة لتلميع المعادن ، فكان
عملا شاقا مؤلما لثمانى عشرة ساعة متواصلة كل يوم : ينظف الورشة وبيت صاحبها الملحق بها ، ويخدم
أولاده الصغار الثلاثة ، ويجلو بالرمل الخشن ، القطع المعدنية حتى دُميت يداه ، ويلبى طلبات ربة البيت
من السوق ، ويطيع آوامر عمّال الورشة الستة ، كل ذلك مقابل إطعامه ومبيته بالورشه (بعد تنظيفها جيدا )
ومبلغ يعادل عشرة دولارات كل شهر ، إنه - فى تقديره - مبلغ ضخم لم يكن يحلم به ، مما شجعه على
تحمل الشقاء والصبر على المتاعب . لكن العمل - أو بالأحرى صاحب العمل - لم يصبر ويقنع ، بعد ستة
أشهر رأى أن هذا الغلام يكلّفه كثيرا ، فطرده . بسعىّ جديد من والده ، التحق بمتجر لبيع الدراجات ، والدراجة
فى ذلك الوقت سلعة جديدة فاخرة فى اليابان ، تأتى مصنوعة جاهزة من الولايات المتحدة أو بريطانيا ، وتُباع
الواحدة منها بما يعادل اليوم 1998 أى بنحو عشرة آلاف دولار أمريكى . فلم يكن يركبها إلا أبناء الأثرياء
عاد " ماتسوشيتا " يمارس تقريبا نفس العمل السابق : النظافة والخدمة وإغلاق المتجر كل ليلة بالدعامات
والمزاليج
الثقيلة .
شعر بالضيق والمرارة لا بسبب مشقة العمل وتفاهته ( وهو لم يزل يذكر طفولته الباكرة العامرة بدفء الأسرة
قبل تدهور أحوالها ) ، لكنه كان يضيق صدرا بالوحدة ، فلا صديق ولا أنيس ، وتعتصره مرارة البعد عن الأم
فكان يبكى فى صمت موجع قبل أن ينام . مكث فى عمله هذا ست سنوات ، بدون عطلة أسبوعية ولا سنوية ،
طعامه الذى يأتيه من صاحب المتجر لا يخرج عن أرز وخضراوات بلا لحوم فى الوجبات الثلاث يوميا ، ويَُضاف
إليه قطعة من السمك فى وجبة الغداء مرة كل أسبوعين ، فكان هذا هو كل " الترف" الذى نعم به . لكنه
تعلّم الكثير ، وأدرك مبكرا شئون الحياة والناس والتجارة والسوق والتعاملات . فى هذه السنوات الست بمتجر
الدراجات ، كانت له مواقف بارعة - بالرغم من حداثة سنه - كشفت عن تأثير التربية الأسرية الصالحة ، والقيم
الأخلاقية والعقائدية التى غرسها الوالدان فيه ، فأثمرت وأفادت ، ومنها : الأمانة ، البذل ، الصدق ، الجرأة فى الحق
خدمة الآخرين ، رفض قاطع لمصاحبة الأشرار وفاسدى الأخلاق ، القناعة والصبر ، التفكير الجاد ، والملاحظة
الواعية ، التكيّف مع الواقع - مهما كان كئيبا مضجرا - ومحاولة تغييره بالطموح المعقول والمقبول ، والأمل
الممكن التحقيق ، فكانت تلك هى " الركائز " التى بنى عليها " ماتسوشيتا " حياته الحافلة التالية ، وصرْح مجده
الراسخ الفريد . فى عام 1909 ظهرت فى اليابان بشائر الانتقال من عصر الإقطاع إلى العصر المتطور الحديث
والدليل هنا فى "لوزاكا" إلى جانب ظواهر عديدة أخرى وغيرها فى العاصمة طوكيو ، مثل إنشاء خط لسيارات التروللى باص
وشبكة الكهرباء الخاصة به ، فكّر " ماتسوشيتا" فى هذا الأمر مليا ، سيارات ، وكهرباء ، وافد جديد ، لماذا
لا يكون له دور أونصيب فى هذا المجال ، سعى وارتجى ، واستطاع الحصول على عمل فى شركة الكهرباء .
فترك المتجر مغتبطا بهذا التحول ، وهو لا يدرى أنه سيفتح له - ولليابان كلها - مستقبلا مدهشا .
ارتقاء سلم النجاح
فى حياة الكثيرين من الرجال العظماء الشرفاء الناجحين فى الحياة - ومن النساء أيضا - عامل مشترك بينهم
جميعا : المعاناة أو احتمال المشقة البالغة فى البداية ، مع التفكير الواعى والإرادة الحازمة فى محاولة - أو محاولات -
الخروج من المأزق ، والانطلاق ، بالمخاطرة وليس المغامرة ، أى مواجهة المخاطر ،لا القفز عشوائيا فى الظلام .
وفى فجر هذا القرن العشرين ، قال نيتشه الفيلسوف توفى 1900 :" إن ما لا يقتلى ، يقوّينى ". وفى الحق
كان "ماتسوشيتا " مؤهلا تماما لذلك ، وحتى لا نطيل فى السرد ، نوجز فى سطور مراحل وأبرز وقائع ودروس
الفترة التالية من حياته وإنجازاته ، وما خلّفه من ميراث أخلاقى وإدراى وإنسانى كبير . بدأ يمارس عمله فى شركة
الكهرباء "أوزاكا" فى أكتوبر 1910 ، بلا سابق معرفة أو خبرة بالكهرباء أو أشغالها ، فهى اختراع حديث
على اليابان ، وكان المشهور بين الناس ، إنها مقرونة بالموت والهلاك ، وأن من يشتغل بها ، جدير بأن يكون
فنيا دقيقا ماهرا حذرا ، وعُيّن ملاحظا على عمال تركيب خطوط توصيل الكهرباء إلى البيوت والمتاجر والمصانع
والمؤسسات ، فكان يتنقل بين خمسة أو ستة مواقع كل يوم ، يعود بعدها إلى مقر الشركة ليلا ليتدرب فينا
على أصول التركيبات الكهربائية البسيطة ، كان الترقى الوظيفى ، ممهدا أمامه ، لكنه سئم العمل بعد فترة ،
لماذا : يقول :" لأن إشرافه كان مضيعة لوقته ولصحته ، كيف ، لأن زملائه المشرفين مثله ، كانوا يكثرون
من الكلام والثرثرة أثناء العمل ، فيما لا يختص بالعمل ولا يفيد ، ولأن حركته الدائبة بين المواقع ، والصعود
والهبوط المستمر حيث يشتغل العمال ، فى اختلاف الأجواء بين حرارة الصيف وبرودة الشتاء ، كل ذلك أضعف
صحته ، وأصابه بالهزال ، وبالتهاب رئوى يوشك - كما قال الطبيب - أن يفضى إلى الدرن " السل " ، ففكر
جادا فى اعتزال العمل ، لكنه تردد ، فإن ترك العمل معناه انقطع الدخل . رُب ضارة نافعة ، وفى مواقف التحدى
تظهر معادن الرجال . هداه تفكيره إلى ابتكار مقْبس "بريزة توصيل كهرباء" أفضل من تلك التى تستخدمها
الشركة التى يعمل بها ، اقتنع بالفكرة ، ووضع التصميم ، ثم عرضه على رئيسه المباشر ، لكن الرجل رفض فى
صلف وغباء ، بل ورفض فى استعلاء أن يعرض الفكرة على كبار المسئولين بالشركة ، رجاه "ماتسوشيتا"
وألحّ عليه ، لكن الغباء الممتزج بالمكابرة والحقد ، كان أقوى وأثبت . يقول "ماتسوشيتا " فى مذكراته :" لم أستطع
أن أحتبس دموعى من الإحباط والغيط أمام هذا الرئيس لاقتناعى الكامل بأن اقتراحى سليم ومعقول تماما ".
وخيرا فعل هذا الرئيس ، غير الكفء ولا المهذب ، ولعلها الأقدار التى تقفل الأبواب وتسد المنافذ ، لتحوّل المسار
وتغيّر المصائر ، فتضع صاحبنا فى موقف التحدى ، فيستقيل من العمل ، أيا كانت النتائج المعيشية ، وهو فى
سن الثالثة والعشرين ، ومن الطريف أن رئيسه هذا حين تسلّم منه فى ينونيو 1917 خطاب استقالته ، نصحه
بأنه يرتكب خطأ فادحا ، لأن مجالات العمل محدودة ، كما أن الأعمال الحرة الصغيرة - فى فترة الحرب العالمية
الأولى - مآلها غالبا إلى الفشل ، ولأنه - "ماتسوشيتا " - لا يملك رأس مال مناسب . كان مقتنعا تماما بقراره
واثقا من نفسه ، وبأنه على صواب ، فلماذا يقيّد أفكاره وطموحاته وعزائمه وقدراته بجهل الآخرين وحماقاتهم
لقد اعتاد العمل الجاد ، بل الشاق ، وصبر كثيرا على الجوع والفاقة ، ولم يستنكف ان يفقد طفولته وصباه
بالعمل أجيرا خادما مطيعا لأراذل الناس ، لن يكون إذن ما هو أسوأ بعد اكتسابه خبرة ومعرفة بالحياة ، وبالأحياء ،
وبقدراته . فتظل تلك عقيدته ومنهاجه مستقبلا ، أو على الأقل طوال العشرين سنة التالية ، لكنه يجد نفسه
لأول مرة وحيدا ، لا رئيس ، لا صاحب عمل ، ولا أب يستشيره ، فقد توفى ، لكنه لم يتراجع .
مرحبا بالحرية
من الآن فصاعدا ، سينسج "ماتسوشيتا" خيوط حياته العملية الإنتاجية الرائعة ، يصنعها وحده ، ويصيغها وحده
ويصبغها على هواه ، ويطبعها بطابعه هو دون تدخل من أحد ، وبلا استلهام فكر مستورد ، أو رأى وافد مقلّد
فيصبح ما يراه وما يفعله وما ينتهجه - بكل تواضع وبلا ادعاء أو استعلا ء - يصبح عند الآخرين ، وفى الدول
الصناعية الكبرى أسلوب تطور ومنهاج عمل ، كما يصبح عند اليابانيين مدعاة فخر ومجد واعتزاز. بدأ "ماتسوشيتا"
مشروعا إنتاجيا بمبلغ مائة ين ، كان يملك منها عشرين فقط ، ادخرها من قبل ، واقترض الباقى من صديق
وكان ذلك فى عام 1917 ، الذى تزوج فيه من الشابقة "مومينو" . اشترك فى الإنتاج معه أربعة : زوجته ،
وشقيق زوجته ، (يُدعى توشيو إيو عمره 14 سنة ) ، وصديقان من زملائه بشركة الكهرباء . كان الأربعة
يشتركون فى أربع صفات : لا أحد منهم تجاوز المرحلة الابتدائية فى التعليم ، ولا أحد منهم اكتسب خبرة فى تكوين
شركة إو إدارة عمل ، ولا أحد منهم يملك مالا أو له اتصال بمن يقدر على التمويل ، والأهم من ذلك ، لا أحد منهم
يعرف كيف يُصنّع مقْبس "بريزة الكرباء". وكان "ماتسوشيتا" مثلهم ، وأين المصنع الذى سيُنتج تلك البرايز
فى داخل بيت ماتسوشيتا الشبيه بالكوخ ، وهو مكوّن من غرفتين . بدأ الإنتاج بعدد قليل من القطع ،وظهرت مشكلة
التسويق ، رفض الموزعون التعاقد بحجج شتى ، وانسحب الصديقان من المشروع ، فانتابته الحيرة : هل أخطأ
التفكير والتقدير وتعجل بالاستقالة ، هل يترك نفسه ينهار ويموت من الحسرة والفقر والمرض ، شجّعته
زوجته على الصمود والصبر ومحاولة الخروج من الأزمة ، حتى إنها باعت بعض ملابسها لتخفف عنه فلم
ييأس . "إن بعد العُسر يُسرا " ، جاء الفرج ، وكأنه تيسير رحمة القدر ، فلقد سمع موزّع أدوات كهربائية يملك
شركة كبيرة بابتكار ماتسوشيتا ، فجاء إليه بنفسه ( كان هذا الموزّع قد وقع فى خلاف حاد مع مصنع كان يورّد
إليه الآلاف من العوازل وقطع الإنتاج الأخرى ). اتفق الموزّع مع ماتسوشيتا على توريد ألف قطعة من العوازل
الكهربائية خلال فترة محددة ، وبمواصفات معينة ، كدفعة أولى ، ودفع مقدما جزءا من قيمة الصفقة . عمل الثلاثة
( ماتسوشيتا، ومومينو ، وشقيقها توشيو ) ، ثمانى عشرة ساعة كل يوم ، وبلا راحة أسبوعية ، للوفاء بالاتفاق ،
وتم التسليم فى موعده ، وتحقّق ربح بسيط ، ثم أعقب ذلك طلب - من الموزّع نفسه - بتوريد كمية مضاعفة
وبسعر أعلى . ومن أرباح تلك الصفقة ، استأجر ماتسوشيتا بيتا أكثر اتساعا ، بالقرب من محطة السكك
الحديد ، يتيح له مكانا مناسبا داخله للتصنيع المتزايد . مع الصفقة الثالثة ، التى طلبها الموزّع ،تشجع ماتسوشيتا
وصنع كمية من البريزة التى ابتكرها من قبل ولم تجد من يشتريها ، عرضها هذه المرة بسعر يقل 30 % عن ثمن
مثيلتها فى السوق ، واقبل الموزعون على الشراء بكميات كبيرة ، لقد ابتسم الحظ ، فدارت متسارعة عجلة - بل عجلات -
الإنتاج ، لأ،ه تنوّع ، وتعدّل ، وتطوّر . وباختصار ، بدأت بشائر الشهرة ، وفيوضات المال ، وغزو الأسواق
وفى صيف عام 1918 ، تكونت شركة "كهرباء ماتسوشيتا" ، وبها ثمانية عمال ، تنتج أربعة أنواع من
الأدوات الكهربائية . فى نهاية العام ، زاد عدد العمال إلى عشرين ، وبلغ عائد إنتاج تلك الشركة الوليدة
ما يعادل مائتا ألف من الدولارات . هنا تظهر فلسفة "ماتسوشيتا" فى العمل ، ونظرته الذاتية إلى العمال ،والإنتاج
وهى فى تقديره ، أسبق وأهم من الشهرة ، والمال ، وغزو الأسوا ق "محليا وعالميا " فيما بعد ، منها :الإنصاف
فلا يُظلم عامل أو يُبخس حقه المتنامى مع نمو الشركة ، وأن يُعامل العمال على أنهم أفراد أسرة واحدة داخل الشركة
والتأكيد المستمر على إنتاج المرونة ، والسرعة ، والتجديد المتواصل فى نوعيات وقطع الإنتاج . وشئ آخر ،
لقد تعلم كذلك أن يشارك بنفسه فى كل عمل أيا كان يدويا بسيطا ، وفى الوقت نفسه ، كرئيس أو صاحب عمل
يجب أن تكون له نظرة سديدة شاملة مدققة ، من أصغر التفاصيل إلى الإحساس المرهف بالإتقان والجودة
وكل ما يتعلق بالإنتاج ، والعامل والابتكار والمستهلك ، يَُضاف إلى ذلك ، ما ذكره شقيق زوجته فى تلك الفترة
المبكرة :" لا أظن أن ماتسوشيتا شخص خارق الذكاء أو المهارة ،إلا أن حبه وحماسه المفرط للعمل ، شئ
غير عادى وغير معهود ". وكان طبيعيا أن يؤثر ذلك على صحته ، وقد أفزعه ذلك ، خاصة بعد أن رحل عن
الدنيا سريعا كل أفراد أسرته ، ففى عام 1921 ماتت آخر إخواته وقد لحقت بأمها التى سبقتها ببضعة أعوام ، ولم يبق
من الأسرة أحد سواه . وكانت المنافسة بالضرورة مع الشركات الإنتاجية الكبرى ، ومن بين ما تعلّمه فى البداية
إن السلعة الأجود قليلا ، والأرخص قليلا من مثيلاتها فى الأسواق ، لا يتحتم أنها تجذب المستهلك دائما ، الأفضل
من ذلك الابتكار ، والتجديد أو التطوير فى المنتج ، شكلا ونوعا وحجما وكفاءة وآداء ، وهنا تظهر أهمية
اختيار الخبير الفنى ، والمصمم، والعامل والإدارى والباحث . ومن جانب آخر إزاء المنافسة المتصاعدة أدرك
أن السرعة فى الإنتاج مع تقليل الإنفاق ،من أقوى الأسلحة الدفاعية الناجحة . - يُرجى من المتصفح الكريم الأخذ
بهذه النتائج بكثير من الحذر والبحث "صاحبة المدونة "_ .
الإنفتاح
فى عام 1922 كانت نقطة تحول أخرى ، افتتاح مصنع للشركة فى العاصمة ، طوكيو ، تخصص فى إنتاج مصابيح
الدراجات ، وربما يبدو هذا غريبا ، من دراسته للسوق ، وبفطنته الملهمة ، أدرك ماتسوشيتا أن الإقبال متزايد
على اقتناء الدراجات ، ومصابيح الدراجات كلها تعمل بالبطاريات الجافة ، فلا يستغرق تشغيلها أكثر من ساعة
أو ساعتين أو ثلاث . ثم تغير بعدها . ففكر فى بديل أفضل وأرخص ، بعد ستة أشهر متواصلة من التفكير والمحاولة
والتجربة ، وابتكر بنفسه مصباحا يستمر تشغيله خمسين ساعة وثمنه أقل مما هو فى السوق ، الأقل جودة ، والأسرع
فى الاستهلاك . خيّب الموزّعون ظنه ، فقد أحجموا جميعا عن قبول هذا النوع الجديد ، لعدم اقتناعهم به وبالشركة
المنتجة له ، وخوفا من إعراض المستهلك عنه ، فكر فى حيلة : استأجر ثلاثة عمال وزّعوا على المتاجر التى
تبيع مصابيح الدراجات عددا من تلك الصابيح بشرط ميسور ألا يدفعوا قيمتها فى البداية ، وتبقى عندهم كوديعة
على أن يأخذ التاجر مصباحا أو اثنين مجانا ، يتركه مضاءا طوال الوقت أمام الزبائن ، فإذا اشترى أحدهم من هذا
النوع ، يدفع التاجر ثمنه بعد خصم ربحه ، ولا لوم عليه إذا لم يبع شيئا ، وبعد أسابيع قليلة ، كان الطلب على الإنتاج
بالآلاف ثم بعشرات الآلاف ، وساعده على ذلك تطويره للمنتج وتحسينه وإضافة أنواع جديدة للمنازل حتى إن
الناس أطلقوا عليها " المصابيح الوطنية " نكاية فى المستورد من أمريكا .
الأزمات
فى عام 1929 وقعت كارثة الأزمة الاقتصادية العالمية ، بسبب انهيار سوق المالى فى أمريكا ، وتأثرت بها
اليابان ، التى بنت نهضتها الصناعية منذ أوائل القرن على غرار النظم المالية المتبعة فى الغرب ، ولم يسلم ماتسوشيتا
من ضغوط الأزمة ، إلا أنه فعل ما لم يفعله أحد غيره فى اليابان أو خارج اليابان . أصدر أمره إلى أيو -شقيق
زوجته - الذى أصبح المدير الإدارى بالشركة ، باتباع الآتى :" خفْض الإنتاج إلى النصف دون الاستغناء
عن أى عامل ، على أن يعملوا فى المصنع نصف يوم بنفس الأجر ، مع إلغاء كل العطلات ، وأن يشترك
العمال جميعا فى تسويق المخزون من الإنتاج بقدر جهد كل منهم .". فكرة جديدة وسلوك إنسانى صادر عن
مضمون أخلاقى يُرجعه البعض إلى تعاليم كونفوشيوس ، وبالفعل ، تم بسرعة بيع المخزون والمنتج ، ولم يفقد
العمال أعمالهم ومصدر كسبهم ( مثل ملايين غيرهم ) ، ولم يخسر صاحب العمل كثيرا ، بل كانت سعادته ورضاه
أكبر وأوفر . فى تلك الفترة الضاغطة ، رأى أن سوق بيع أجهزة الراديو - وكان اختراعا حديثا - رائحة ، ففكر
وتدبر ، ثم اشترى مصنعا صغيرا كان ينتج تلك الأجهزة وجعل صاحب هذا المصنع مديرا له بعد شرائه منه
حين تعرّض هذا المصنع لأزمة مالية بسبب الكارثة الاقتصادية ، كانت أجهزة الراديو حينذاك بها أعطاب كثيرة
كمنتج جديد ، وكان من الشائع إعادة عدد كبير منها بعد البيع ، لأن المشترى يضيق بأعطالها والتاجر الموزّع
لا يعرف شيئا عن تشغيلها أو مكوّناتها وربما كان إصلاح العيب بسيطا ميسورا . لاحظ ماتسوشيتا ، ذلك ، نزل
بنفسه إلى السوق يسأل الزبائن ، والتجار ، ويصغى لآرائهم واقتراحاتهم ، وكان عليه أن يختار واحدا من بديلين :
إما أن يتعاقد مع موزّع لديه خبراء لإصلاح الإعطاب ويتحمل تكاليفها المصنع المنتج ، وإما أن يُحدث تغييرا
- والناس عادة لا يفضلون التغيير والمخاطرة به - بمعنى أن يُعاد النظر فى أجزاء ومكونات جهاز الراديو من الخارج
والداخل وإنتاج نوع جديد ، جيد الأداء ، يعمر طويلا ، وبسعر يناسب - على المدى القريب - أكبر عدد من المواطنين .
اختار الحل الثانى ، ويصبح هذا الأسلوب قاعدة متبعة فى سياسات الشركة ، فى كل مراحل نموها واتساعها
وتفرعاتها ، وفى آواخر الثلاثينيات أصبح عدد العاملين بها ستة آلاف وخمسائة وأنواع الأجهزة والأدوات
الكهربائية التى تنتجها بالمئات ، وزبائنها بالملايين . أثناء الحرب العالمية الثانية ، ساعدت الشركة - بفروعها -
فى الإنتاج الحربى اليابانى ، وكان عليها أن تخفض من إنتاج بعض الأجهزة المدنية ، أو تُوقف خطوط إنتاج
البعض الآخر ، وصار عدد العمال بها أكثر من ستة وعشرين ألف عامل يعملون فى سبعة وستين مصنعا فى مواقع
مختلفة ، وكانت إسهامات "ماتسوشيتا" فى الإنتاج الحربى لبلاده عن اقتناع كامل لأنه إنتاج - كما قال - من أجل
حماية الثقافة القومية التى تفرض أن يطيع كل فرد فى اليابان أمر الإمبراطور المبجّل . وهو يُطاع ، فلا يُسال
أو يُناقش ، فإذا أعلن الحرب ، فهى حتما من أجل مصلحة اليابان وشعبها . فلما انتهت الحرب بهزيمة اليابان
واستسلامها بعد قذفها بقنبلتى هيروشيما وناجازاكى عام 1945 ، كان متوقعا أن يأتى دور الانتقام وتصفية الحسابات
ودفع التعويضات ، والإذعان لآوامر الحلفاء ، تلقت شركة ماتسوشيتا أمرا من القائد العام لقوات الحلفاء بالتوقف
عن الإنتاج ثم أعلنت قيادة الاحتلال أنها ستعيد تنظيم كل المؤسسات اليابانية واقتصادياتها ،وكانت النتيجة هى
إبعاد "ماتسوشيتا " عن شركته ومصانعه ،مع تحميله - شخصيا - كل حسائرها فى بعض الفروع "فى ذلك الوقت
كان لشركته خمسة وثلاثين مصنعا خارج اليابان صودرت بعد الحرب بأجمعها ". ولما وضعت قوات الاحتلال
يدها على الشركة ومصانعها المحلية ، خفضت عدد العمال من سبعة وعشرين ألف عامل ، إلى أقل من ثمانية
آلاف وطردت كل المديرين منها . أرسل أكثر من خمسة عشر ألف عامل وأسرهم برقيات ومذكرات إلى الحكومة
وسلطة الاحتلال يطالبون بإبقاء "ماتسوشيتا" فى موقعه من رئاسة الشركة ،كان مطلبا غير عادى ولا مقبول
من وجهة نظر الاحتلال ، وبعد عام 1947 قٌبل الطلب ، مرة أخرى يبدأ "ماتسوشيتا " من الصفر ، بلا ميزانية
بل بخسائر فادحة بالملايين - وضع برنامجا صارما للإحياء ، لم يطرد عاملا واحدا بحجة تخفيض النفقات ،
فلما أعطى العمال جزء من أجورهم على شكل بضائع من منتجات الشركة ، وعلم أنهم يبيعونها فى السوق
السوداء بعشرة أضعاف ثمنها ، منع ذلك لأنه " فساد أخلاقى " وإرهاق للشعب المحزون والمهموم وزيادة
فى التباعد والتميز بين من يملك ومن لا يملك . وكافح بشجاعة وعم وإصرار طوال ثلاث سنوات حتى خرج
بالشركة وعمالها من الأزمة وبفكر جديد وخبرة أثمرت أضعاف ما كان فى الماضى .
العالمية
لأول مرة فى يحاته يخرج من اليابان عام 1951 فى زيارة لمؤسسات صناعية بالولايات المتحدة وعاد - على خلاف
المألوف - غير مبهور بالتقدم العلمى والتكنولوجى ولا بنظم التصنيع والسويق ، وإنما قبل ذلك ومعه ، وضع أساس
التقدم الصناعى فى بلده ، بادئا بمؤسسته هو ، ذلك التقدم المرتكز على " نوعية المديرين ومرونتهم وتواضعهم ".
ثلاث صفات لابد منها قبل التفكير فى أى شئ آخر ، أما " المنتج " فيُشترك - بكل دقة وحزم - أن يكون فى
غاية الجودة ، معمّرا ، سهل التشغيل والاستخدام ، فى متناول أكبر عدد من الناس ، وقد تابع بنفسه تنفيذ
ذلك حتى إنه كان يوقظ المديرين من نومهم فى الثانية صباحا فى بيوتهم ، ليسألهم تليفونيا عن شئ عرض له
وهو يبحث ويفكر لليوم التالى . فى عام 1965 قفزت شركته إلى المركز الأول بالنسبة للمؤسسات الصناعية
اليابانية وحققت عائدا قدره 203.5 مليون ين ، ثم مضى يرتقى من نجاح إلى نجاح - بفلسفة واضحة المعالم
ومنهج رائد جديد فريد - إلى أن أصبح العائد السنوى 65 مليار دولار عام 1996 ، وفروع شركته ومصانعها
فى دول شتى ، وبعضها فى أوروبا والشمال الأمريكى .
الوطنى المعلمّم
فى عام 1961 سأل ماتسوشيتا نفسه هذا السؤال : وماذا بعد ، كان فى سن السادسة والستين ، وجاءت إجابته
العملية على امتداد السنوات التالية - حيث توفى 1989- على النحول التالى "إلى جانب تطور واتساع مجالات
وأنشطة شركاته ":
لم يكن يميل إلى الحفلات العامة والنواد الخاصة أو لعب الجولف أوالسهر مطلقا خارج البيت للترويح والسمر
ونادرا ما كان يمنح نفسه عطلة أو إجازة سنوية ، وكان يمقت الثرثرة فيما لا يفيد ، قليلا ما كان يستمع إلى الموسيقى
وكثيرا ما كان يفكر فيما ينفع الآخرين ، كتب مؤلفات متنوعة ، وأقام مشروعات اجتماعية عديدة ، وأسس - على نفقته -
الكثير من المدارس والمكتبات العامة ،والمعاهد . أنشأ 1946 على الرغم من أزمة الحرب الخانقة ، معهدا دراسيا
ذا منهج عجيب :" دراسة الطبيعة الإنسانية للإبقاء على اليابان فى مأمن من الإقدام على عمل يؤدى مرة اخرى
إلى دمارها ، فالسلام والسعادة من خلال الرخاء أجدى على الأمة وأفضل ". وتولى الإنفاق علىهذا المعهد وبحوثه
ودراساته وأساتذته وطلابه ، وظل رئيسا له حتى عام 1961 ،وكتب من أجله عدة مؤلفات . فى عام 1983
نظم سلسلة من الحلقات الدراسية رفيعة المستوى داخل معهد أنشأه بغرض "دراسة التغيرات العالمية "، ويقدم
هذا المعهد نتائج دراساته وما يترتب عليها من وضع سياسات اقتصادية يقدمها إلى الحكومة اليابانية إلى المؤسسات
الصناعية الكبرى ، وإلى كبار رجال الأعمال ، وإلى كل من يريد من المواطنين - مجانا - ليساعد الجميع على
النهوض باليابان دائما ووضعها فى مكانها اللائق فى المجتمع الدولى - وانتقى لهذا المعهد أفضل الأساتذة والخبراء
والكتاب والطلاب أيضا ، انطلاقا من رؤيته العالمية الشاملة ، وحرصه على مستقبل بلاده وشعبه ، وميله إلى مواجهة
المشكلات الصعبة والأزمات والتساؤلات الكبيرة بالتعقل والروية والتفكير الناضج المشترك . لذا كتب يقول :
" إن السؤال الذى يجب أن نطرحه أمام أبناء جيلنا ومن يأتى بعده ، أية فلسفة يجب أن تتبعها شعوب العالم
لتعيش معا فى تآلف وتناعم ، ما هى المبادئ المرشدة التى يمكن أن تعين على ابتداع نظام عالمى جديد
ذى منهج سديد مقبول ". فى هذا المعهد تخرج من أصبحوا فيما بعد وزراء . خصص مبلغا يعادل 291 مليون دولار
من دخله الخاص ، وما يعادل 99 مليون دولار من أرباح شركاته للإنفاق على مشروعات ومساعدات اجماعية "بخلاف المدارس والمعاهد".
إلى جانب ملايين الدولارات التى قدمها مساعدات لجامعات اليابان ، وقدم ملايين أخرى لجامعات وإنشاء مدارس
فى بيرو ، والولايات المتحدة ، وبريطانيا وغيرها . قبل موته بعام ، خصص مبلغ 27 مليون دولار لإنشاء
مؤسسة دولية يابانية بهدف :" ترويج التفاهم المشترك بين اليابان ودول العالم وإعداد الأشخاص القادرين
على نشر هذا التفاهم . فى عام 1983 أقام مؤسسة تتولى تقديم " جائزة اليابان " سنويا ومقدارها نحو نصف
مليون دولار تمنحها " تكريما للعلماء " من أى جنسية تشارك أبحاثهم بنصيب واضح فى تحقيق قدر كبير من الرخاء
والسلامة للجنس البشرى . فى الفترة من 1963 - 1989 قدم منحا ومكافآت وجوائز فى مجال الصداقة
والإخاء
العالمى تجاوزت قيمتها خمسمائة مليون دولار .
"انتهى عرْض سيرة ماتسوشيتا من الكتاب "
No comments:
Post a Comment