Saturday, November 24, 2007

مقال : فلسفة الفن عندعباس محمود العقاد ، بقلم : جلال العشرى ، مجلة الفكر المعاصر ، مارس 1965

عباس محمود العقاد
" " الدنيا جمال ، نصل إليه من طريق الضرورة . والدنيا روح ، نلمسها بيد من المادة ، فالروح هى الحقيقة ، والمادة هى وسيلة الإحساس بها ".
بهذه العبارة استطاع العقاد أن يلخّص نظريته فى الفن ونظرته إلى الحياة ، أو أن يقول كلمته فى مشكلتى الجمال
والحقيقة . على أننا لن نستطيع أن نقف على حقيقة رأيه فى المشكلة الثانية ما لم نعرف قبل ذلك رأيه فى المشكلة
الأولى " الجمال " . فعند العقاد أن الحقيقة الفنية أسبق من الحقيقة الفلسفية وأنها الأساس فى فهم شتى ظواهر
الكون . وهذا منهج يتفق وطبيعة العقاد الشاعر لأنه يحس الكون بالوعىّ والشعور قبل أن يدركه بالحواس والعقل
ثم يترجم هذا الوعى شعرا أو نثرا إلى آراء وأفكار . هكذا كان رأى العقاد فى فلسفة الفن أو مبحث الجمال فى مكان
الصدارة من هذه الآراء ، وهو الرأى الذى ربط فيه بين الجمال والحرية . فذهب إلى أن الجمال هو الحرية
وأن الشئ جميل بمقدار ما هو حُر . وعلى ذلك ، فالحرية هى معيار الجمال فى أبعاد العمل الفنى الثلاثة : العمل
الفنى فى ذاته ، والعمل الفنى فى علاقته بالفنان ، والعمل الفنى فى علاقته بالمتذوق . قارئا كان أو سامعا أو مشاهدا
على أننا لن نستطيع أن نفهم فلسفة الجمال عند العقاد إلا إذا رجعنا إلى الإطار العام لفلسفته وعرفنا الحدس الفلسفى
الذى يبدأ منه ويعود إليه ، والذى هو الركيزة المحورية فى تفكيره الفلسفى .
الذاتية والحرية
هاتان
هما القيمتان الأساسيتان فى فلسفة العقاد . فالذاتية هى جوهر الكائن وليست مجرد مظهر معين لبنية الجسم
وهى تترك طابعها على كل جزء فى هذا الكل رغم بقائه غير قابل للتجزؤ. كما أنها تتخلل وجود الكائن كله
بحيث تجعل منه واقعة منفردة فى تاريخ العالم . فكل كائن من الكائنات له خصائصه الفذة ومميزاته الفريدة
التى تجعل منه واحدا لا يشاركه شريك آخر فى واحديته ، وفردا لا يشبهه شبيه آخر فى فرديته . وعكس ذلك
يوقعنا فى تناقض . فالواحد إذا لم يكن فى تغاير يتميّز به عن غيره ، لم يعد واحدا بالمعنى الصحيح ولا بأى
معنى من المعانى . تلك هى الحياة ، حياة الأحياء والأشياء ، لا حىّ فيها يتكرّر ، ولا شيئان فيها يتماثلان تماثلا
تاما ، فإذا ما وصلنا إلى " الله " كان هو " الذات " التى لا تشبهها ذات أخرى على الإطلاق .
ولكن ، ما علاقة الذاتية بالحرية

الحرية
عند العقاد تتمثل فى مقدار من التكاليف والمسئوليات والواجبات ، وقدرة الإنسان على آداء هذا كله بما يحقق
شخصيته ويؤكد ذاتيته المتميزة والمتفرّدة عن غيرها من الشخصيات والذوات . وإذا كان هذا هو مفهوم الحرية
عند بعض الفلاسفة الوجوديين ، فالعقاد وجودى . إذا كان معنى الوجودية إنصاف الضمير الفردى وتقديس
الإنسان المستقلّ بفكره وخلقه . وعندنا أن الجماعة المثلى هى الجماعة التى تهيئ للفرد غاية ما يُستطاع من
الكرامة والاستقلال ، وإنها إذ توقف وجودها على فناء الفرد ومحوّ استقلاله ، فهى جماعة جديرة بالفناء .
وهل الإنسان حرّ بهذا المعنى
لا شك
أنه حر ، وحر بأكمل معنى من معانى الحرية ، بل إن التاريخ كله على حد قول الفيلسوف الألمانى " هيجل
ليس إلا تطور الشعور بالحرية . وأن دراسة الإنسان فى تاريخه الطويل لتشير إلى أطراد هذا التطور حتى ننتهى
إلى أن اطراد تقرير الذات الفردية دليل واضح على اطراد الشعور بالحرية . وما دام الإنسان يزيد على جميع
الكائنات فى تفرّده بذاتيته ، فهو بالتالى يزيد عليها فى شعوره بحريته ، حتى نصل إلى ذات " الله " التى لا تشبهها
ذات أخرى ، فإذن ، هى أكثر الذوات حرية على الإطلاق .
الحرية والفنان
غير أننا
فى الطريق من ذات الإنسان إلى ذات " الله " ، نلتقى بذات أخرى هى ذات الفنان . فالفنان أكثر من الإنسان العادى
تفرّدا فى ذاتيته وبالتالى ، فهو أكثر شعورا بحريته ، ولكنه لا يزال دون " الله " ذاتية وحرية . إذن ، فأين مكانه
على وجه التحقيق . عند العقاد أن كل فرد من الأفراد لابد له من أن يعبّر عن ذاته بطريقة أو بأخرى وبدرجة
تكثر أو تقل ، ذلك لأن تقرير الذات الفردية لا يكون إلا بالتعبير عنها ، وإنما يتفاوت الناس فى تقرير ذواتهم
بمقدار ما يتفاوتون فى حرية التعبير عن هذه الذوات . وهنا يربط العقاد بين الحرية وبين العمل ، لأن العمل
هو سبيل الإنسان عن التعبير عن حريته وبالتالى ، فهو سبيله إلى تحقيق ذاته وإثبات شخصيته . فالعمل حركة
وحياة ، أما البطالة ، فهى سكون وموات . وعلى ذلك ، فإذا كان العمل دليلا على شخصية العامل ، فهو فيه
حرّ . وإذا لم يكن كذلك ، فهو غير حرّ . على أى معنى من معانى الحرية ميتافيزيقيا كان أو أخلاقيا . إن الموظف
الذى يسوّد صفحات وصفحات من سجلات الحكومة على نظام معين وبأسلوب لا يعدوه . لا يمكن أن يكون
حرا فى هذه الكتابة ، لأن ما يكتبه لا يدل على شخصيته . أما الفنان الذى يدل أسلوبه فى التفكير والشعور والتعبير
على شخصيته ، فذلك هو الحر، لأن عمله صدى نفسه وشخصيته المتكاملة من فكر وشعور وتعبير ، ولأن
الفعل الحر إنما ينبع من الشخصية بأكملها وينبثق من كل أعماق الذات . ولعل هذا أيضا هو ما قصد إليه الفيلسوف
الفرنسى هنرى برجسون بقوله :" إننا أحرار حينما تصدر أفعالنا عن شخصيتنا بأكملها فتجئ معبّرة عنها
ويكون بينها وبين شخصيتنا من التماثل ما بين الفنان نفسه وإنتاجه الفنى ". وهنا يضيف العقاد تفرقته
المشهورة بين النظرة الفنية ، والفكرة الفنية ، أو بين أن ينظر الإنسان إلى الكون نظرة فنية ، وأن يعتقد الفكرة
الفنية فى شتى ظواهر الكون . فهو فى الحالة الأولى قد ينظر بعين الفن إلى شئ لا أثر للفن فيه . ولكنه فى الحالة
الثانية ، فى حالة ما إذا اعتقد الفكرة الفنية فى ذلك الشئ ، فإنه ينظر إليه بعين الفن ويزيد على ذلك أن يجعل
الفن نفسه منطويا فى ذلك الشئ ، وهذا ما عبر عنه العقاد تعبيرا شعريا رائعا قال فيه
ويرىالفن كالحياة حياة
ويرى للحياة فنا وشعرا
ضل من يفضل الحياتين جهلا
واهتدى من حوى الحياتين طرا
ويخلص العقاد
من هذا كله إلى أن : الحياة نفسها عمل فنى تحكمه الأصول التى تحكم بيت الشعر ولحن الموسيقى وصورة المصوّر . وتخرج – الحياة – فى جملتها وتفصيلها من يد الفن الألهى كما تخرج الدمية من يد الصانع القدير فى فكرتها الباطنة وتمثيلها الظاهر .
ولذلك
كانت أروع اللحظات التى يحقق فيها الإنسان ذاته ، هى اللحظات التى يشارك فيها الروح الإلهى العظيم فى الخلْق
وتتفاوت هذه الروعة بتفاوت درجات الخلْق هذه ، فقد يصل فيها الإنسان المبدع حدا من الإبداع يقرب فيه من ذلك
الروح الخالد . وهذا هو السبب الذى من أجله دافع العقاد عن كرامة الأدب . وثار فى وجه أولئك الذين يريدون
للفنان أن يكون بوقا من أبواق الدعاية ، أو أداة من أدوات التسلية ، فنسوا أن الفنان إنما خلق ليكون رسولا من
رسل الوعىّ الإنسانى ، ورائدا من رواد القيم الروحية . فهو أكثر الناس حرصا على تأكيد ذاته ، وأكثرهم استجابة
لنداء الحرية ، وأكثرهم احتكاكا بالجهد الخلاق الذى يكمن من وراء الحياة ، وهذا الجهد هو من " الله " إن لم يكن
هو " الله " ذاته . وهذا ما عبّر عنه العقاد بقوله : الشعر من نفس الرحمن مقتبس
والشاعر الفذ بين الناس رحمن .
وهكذا وضع
العقاد الفنان فى مرحلة وسطى بين الإنسان والله ، بل جعله أقرب إلى الثانى منه إلى الأول ، لأن هناك فارقا
كبيرا بين الإنسان الذى يقف موقفا سلبيا يأخذ فيه ولا يعطى ، وبين الفنان الذى يقف موقفا إيجابيا ينقل فيه الحياة
من أحداث جارية عابرة إلى معان خالدة فيكون كما جاء فى عبارة نيتشه " خلاّقا مبدعا للقيم والمعايير ".
ولكن
ما هو الفرق بين الخلق الإنسانى والخلق الإلهى ، أو كيف يكون الفنان والله كلاهما خلاّقا ، هنا يعود بنا العقاد
إلى أفلاطون لنستعير منه التشبيه الذى استعان به فى تصوير العلاقة بين الزمان والأبد ، على أساس أن الزمان
محاكاة الأبد ، وأنه وسيلة البشر الفانين فى تصوير دوام الله ، فأفلاطون يقول :" إن الأله السرمدى شاءت له نعمته
أن يتفضّل على المخلوقات بنوع من البقاء يناسبها ، لأنه هو الباقى الذى لا يزول . وليس من المعقول أن يخلع
عليها نعمة البقاء الأبدى ، لأن بقاء الأبد لا يُخلع ولا ينتقل من خالق إلى مخلوق ، فوهب لها بقاء الزمان تحاكى به بقاء الله ".
وعلى
هذا النحو ، يقول العقاد :" إن الإله السرمدى شاءت له نعمته أن يتفضل على المخلوقات بنوع من قدرة
الخلْق تناسبها وتدخل فى مستطاعها ، فوهب لها الفن ، تخلْق به بدائعها ، وتصوّر به آمالها ، فهو غاية
ما تسمو إليه من خلق وإبداع ، وهو قبس فى الإنسان من قدرة الله ".
الحرية والمتذوق
وكما أن
الحرية هى وسيلتنا فى قياس الفنان وتحديد مكانه بين غيره من الفنانين وبين غيره من أفراد الإنسان بل ومن
الله نفسه ، فالحرية أيضا هى وسيلتنا فى قياس الإنسان المطبوع على تذوق الفنون الجميلة والإنسان الذى لا يعنيه
من أمرهما شئ . بل وفى قياس الأمم التى ترعى الفنون والأهم ، التى تفضل عليها الخبز والطعام . فعند العقاد
أن حب الإنسان للحرية إنما يُقاس بمدى تذوقه للفنون الجميلة ، فالإنسان ، كل إنسان ، مضطر إلى القيام بأعمال
كثير لأنها إما أن تكون مطلبا من مطالب العيش أو ضرورة من ضروريات الحياة . فهو يأكل الطعام حين يجوع
ويشرب الماء حين يعطش ، ويرتدى الثياب حين يحس لسعة البرد ، وينام حين يشعر بالتعب والإنهاك ، وهو
فى قيامه بهذه الأعمال مضطر لا اختيار له فى آدائها أو عدم آدائها . لأنه لابد له من أن يؤديها رضى أو لم يرض
وهذه عيشة لا يكون فيها الإنسان إلاّ عبدا للطبيعة مكتوفا موثقا لا يمد يده ولا يرخيها إلا مجذوبة بالقيد فى حالتى
المد والإرخاء . وتلك هى الحياة فى أدنى مستوياتها ، لأنه المستوى البيولوجى الذى يجعل الإنسان أسير الضرورة
لا يمتاز عن غيره من أفراد الإنسان ، ولا يتميز عن غيره من أنواع الحيوان . ولكنه إذا كان لابد لنا من وصف
بعض حالاته بالحرية والطلاقة ، فتلك الحال لا تكون فى أمر من الأمور أظهر منها فى ميوله الفنية ورغباته
التى لا دخل للنفع فيها ، ولن ترى الإنسان أكمل حرية ولا أطلق إرادة مما تراه فى مواقف التمييز بين شيئين
جميلين كلاهما غير ضرورى لجسده ، وإن يكن محببا إلى نفسه . وهنا يتفق فيلسوفنا مع كثير من الفلاسفة
الغربيين فى توجيه الاستاطيقا " علم الجمال " إلى دراسة الجمال من حيث التذوق ، سواء أكان الجمال فى الفن
أو فى الطبيعة ، أعنى سواء أكان الجميل من صنع الطبيعة أو من إبداع الفنان . ولكن إذا كان فيلسوفنا مثل سانتيانا
يقف عند جعل الإحساس بالجمال هو شرط اللذة الجمالية أو الرضا الاستاطيقى ، وكان ناقدا مثل " رتشاردز
يذهب فى كتاب " أسس علم الجمال " إلى أن الجمال هو عبارة عن تجربة شعورية يمر بها المشاهد أو المستمع
أو القارئ . فإن العقاد فيلسوف العقل والحرية يعلو على كلا التفسيرين " الحسى ، والسيكولوجى " . ويتخذ
من " التمييز " شرطا لقياس اللذة الجمالية . فالتمييز فعل من أفعال العقل والإدراك وليس انفعالا من انفعالات
الإحساس والوجدان ، وعلى ذلك فهو أكثر ابتعادا عن التعلّق والهوى ، وبالتالى أكثر تعبيرا عن الحرية ، يقول
العقاد :" ثم ينبغى أن نفرّق أبعد التفريق بين تمييز الجمال والتعلّق بالشئ الجميل فإن التعلّق من الهوى
والهوى ضرب من الضرورة القاهرة ، أما التمييز فلا ضرورة فيه أو هو أبعد ما يكون عن عسف الضرورة
وجبروتها . فلا حرية إذن للإنسان ارقى وأكمل من حرية التمييز بين محاسن الأشياء ، ولا حرية لأمة ليس
لها نصيب من الفن الجميل ".
وهنا ينتقل بنا العقاد من الكلام عن الحرية لدى الفرد إلى الكلام عن الحرية لدى الأمة ، على أساس تقدير الجمال
وحب الفنون الجميلة . فعند العقاد ، إن حب الأمم للحرية يٌٌقاس بحبها للفنون الجميلة ، ولا يُقاس بما ينشأ فيها
من صناعات ، ولا ولا بما يقوم فيها من منشآت ، ولا بما يتوفر لديها من خبز وطعام ، فهذه كلها مطلب من
مطالب العيش تُساق إليه الأمم مجبرة ، وضرورة من ضرورات الحياة تُدفع إليه وهى مضطرة . فالأمم ، كل
الأمم ، تحرث الأرض وترفع الماء ، وتحفر المناجم وتقيم القناطر وتتقدم ما وسعها التقدم فى علوم الزراعة
والهندسة والاقتصاد وغيرها من العلوم النفعية التى لا حيلة لها فى رفضها ولا قدرة لها فى الإعراض عنها لأنها
من مستلزمات العيش والحياة . ولكن هذه المستلزمات إن دلت على شئ ، فإنما تدل على غلبة الضرورة وتحكّم
الحاجة ، ووقوف الأمة عند هذا المستوى إنما يجعلها أمة قاصرة فى وسائل التعبير عن الذات ، فقيرة فى ملكات
الوحىّ والإبداع ، تؤثر البلادة على الحركة ، والخمول على النشاط ، والمادة على الروح ، والضرورة على الحرية .
وإنما تعرف الأمم الحرية ، عندما تأخذ فى التفضيل بين شئ جميل وشئ أجمل منه ، وتتوق إلى التمييز
بين مطلب محبوب ومطلب أحب وأوقع فى القلب وأدنى إلى إرضاء الذوق وإعجاب الحس . ولا يكون ذلك
منها إلا حين تحب الجمال متطورا أو مسموعا وجائلا فى النفس وممثلا فى ظواهر الأشياء وذلك الذى عنيناه بحب الفنون الجميلة .
وعلى هذا الأساس
يمضى العقاد فى بيان أن حرية الأمة إنما يُستدل عليها بما ابتكرته هذه الأمة فى ميدان الفنون الجميلة أكثر مما
يستدل عليها فى غيرها من الميادين ،وعلى ذلك ، فإذا أنت أردت أن تتعرف على حرية أمة من الأمم ، فما عليك
إلا أن تسأل عن نصيبها من الشعر خاصة ومن وسائل الإعراب الأخرى عن ذوات النفوس ، أهى شاعرة بالفطرة
أم شاعرة بالمحاكاة ، وهل شعرها من شعر العبقرية والطبع العميق أو هو شعر الحس والألفاظ والأصداء وهنا
يتخذ العقاد من إصلاح الأدب فى الأمة ، أداة لإصلاح الحياة فى هذه الأمة ، فيقول :" إن إصلاح أدب أمة هو
إصلاح لحياتها ومعيشتها ، وإن تغيير مقاييسها الفنية هو تغيير لكل ما فيها من مقاييس الفطرة والإدراك والشعور "
تماما
كما اتخذ من الدعوة إلى الفنون الجميلة أساسا للدعوة إلى الحرية . إذ الحق الذى لا مراء فيه أنه لا حرية حيث
لا الجمال ، ولا أنفة من الاستعباد حيث يُطبع الإنسان على أن لا يطلب من الأشياء إلا ما يضطر إلى طلبه .
الحرية والشئ الجميل
وكما
ربط العقاد بين الحرية والفنان ، عاد فربط بين الحرية وبين المتذوق ، فردا كان أو أمة ، نراه يعود فيربط بين
الحرية وبين الجمال سواء أكان الجمال فى الفن أم فى الطبيعة ، أو بين الحرية وبين الشئ الجميل سواء أكان
الجميل من صنع الطبيعة أم من إبداع فنان . فعند العقاد ، إن الشئ جميل بمقدار ما هو حرّ من القيود التى تعوقه
عن الحركة والتى تعطل فيه وظيفة الحياة ، فالماء الجارى أجمل من الماء الراكد لأنه أكثر منه حركة وحرية
والوردة التى تجرى فيها الحياة أجمل من الوردة المصنوعة من الورق والتى لا حركة فيها ولا حياة ، والملمس
الجميل هو الملمس الناعة الذى تنساب عليه اليد فلا تحس ما يعوقها عن الحركة حين تلمسه أو تتحسه ، والصوت
الجميل هو الصوت السالك الذى لا نحاش ، والذى يصفونه بأنه الصوت الحرّ لأنه صادر عن حنجرة صافية
ليس هناك ما يعوقها عن الحركة والانطلاق . وبنفس مقياس الحرية الذى به الجمال فى الماديات أو الأشياء
المادية ، يقيس العقاد الجمال فى الجسد الإنسانى . فكلما كانت وظائف الحياة ظاهرة غير معتاقة فى حركتها
كانت الأعضاء صحيحة ،حسنة الآداء ، وكان عمل الحياة بها سهلا وحريتها فيها أكمل . وكلما كان العضو
مسهّلا لعمل الحياة ، كان مؤديا لغرضه موضوعا فى موضعه ، وكان مبوّءا من النقص والعيب . فهو العضو
الذى يجاوب مطالب الحياة ويحقق لها حريتها ، وهو العضو الجميل ". وعلى ذلك ، فليس الجسم الجميل إلا الجسم
الحرّ ، وليس الجسم الحرّ إلا الجسم الرشيق ، لأن الرشاقة ما هى إلا خفة الحركة ، وخفة الحركة ما هى إلا الدليل
على أن وظائف الحياة حرة فى جسد الفتاة الجميلة ، فهى تروح وتجئ وتمشى وتختال بلا تكلّف ولا معاناة
وهى تعلم بفطرتها أو بغريزتها أن ما تمتاز به من صفة الرشاقة فى الحركة ، والخفة فى الدم ، أغلى من أية
صفة أخرى من صفات الملاحة ولا اقول من صفات الجمال . ومن هنا ، أدرك العقاد بقوة ملاحظته أن الأمم
المستعبدة أو الرازحة تحت وطأة الاستعمار ، إنما تفضل الأجسام الغليظة المترهلة على الأجسام الممشوقة المستوية
لأن الحياة فيها مرهقة ، كما أنها أميل إلى البطء والتراخى لأن الحياة فيها بطيئة متراخية ، ولأن الرشاقة فيها
أو الحرية شئ عزيز المنال . كما أدرك أيضا أن صاحب الجمال يكون أكثر وأكثر فى سن الشباب ، لأن الشباب
هو سن اللعب والانطلاق ، سن الاندفاع والمغامرة ، سن الحب والخيال ، أو هو باختصار سن الحركة والحرية
ففيه تقل أمراض الجسم ، وفيه تكتمل وظائف الحياة بعكس ما يلى ذلك من أدوار العمر ، حيث تكثر عوائق
الجسد ، ويغلب الضعف والفتور ، وتقف الحياة أو تتقهقرفلا يبقى من الحب إلا متعة الحس ، ولا يبقى من الحياة
إلا ضرورات العيش ، ولا يبقى من الأمل إلا الراحة والاستسلام . وهذا الذى قلناه ، فى جمال الجسد الإنسانى
وفى جمال المادة أو الماديات ، يُقال مثله أيضا فى جمال المعنى أو فى جمال المعنويات ، فيمكننا أن نصف
الفكر الجميل بأنه :" الفكر الحرّ الذى لا تريّن عليه الجهالة ولا تغله الخرافات ولا يصده عن أن يصل إلى وجهته صاد من العجز والوناء ".
كما يمكننا أن نصف الفنون الجميلة بأنها :" الفنون التى تُشبع فينا حاسة الحرية ، وتتخطى بنا حدود الضرورة
والحاجة ". وأخيرا ، يمكننا أن نقول مع العقاد إنه " حتى الأخلاق ما من جميل فيها إلا كان جماله على قدر
ما فيه من غلبة على الهوى ، وترفع عن الضرورة ، وقوة على تصريف أعمال النفس فى دائرة الحرية والاختبار ".
الشعر أسمى الفنون
هذا الحدس
الاستاطيقى الذى أدار العقاد عليه فلسفته فى الجمال وتناول به أبعاد العمل الفنى الثلاثة ، هو نفس الحدس الذى
تناول به قضايا الفن تناولا فيه من حدة الذهن وهارمونية الإحساس ما يجعله واحدا من أصحاب الآراء الخطيرة
فى الفن وفيلسوفا من فلاسفة الجمال فى العصر الحاضر. فمن خلال هذه المقولة الجمالية الشديدة الخصوبة
والثراء ، والتى تذهب إلى أن الجمال هو الحرية ، استطاع العقاد أن يعالج مشكلة قواعد الفن ، ومشكلة وظيفة
الفن ، ومشكلة الفن فى علاقته بالمنفعة ، والفن فى علاقته بالأخلاق ، فضلا عن ترتيب الفنون من حيث درجات السموّ والاتقاء .
فالعقاد
لما استقامت له الحرية مقياسا للجمال فى ذاته وفى علاقته بالتذوق والإبداع ، استقامت له الحرية مقياسا للفنون
الجميلة من حيث تقييمها وإيثار بعضها على البعض الآخر، وفى هذا يقول :" على أن للفنون الجميلة أيضا مقياسا
من الحرية لا يضل فيه القياس ، فلك أن تقول إنها كلما ازداد نصيبها من الحرية ، سمت طبقتها فى الجمال والنفاسة
وإنها كلما قلّ نصيبها منها ، ابتعدت عن طبيعة الفن الجميل واقتربت من الصناعات النفعية والمشاغل الضرورية ".
من هنا كان التقليد فى الفن شيئا غير مرغوب ولا مستحب ، لأنه فى رأى العقاد من العبودية وليس من الحرية
وكان الاكتفاء بالنقل من الطبيعة أقل مراتب الفن لأنه فى رأى العقاد ايضا من عمل الآلات الجامدة وليس من عمل
النفوس الحية الشاعرة . ومن هنا وضع العقاد التصوير الرمزى فى المرتبة العليا بين فنون التصوير لوفرة
نصيبه من حرية التعبير عن النفس ، كما وضع الشعر فى المرتبة الأعلى بين كل الفنون لوفرة نصيبه من القيود
وبالتالى من الحرية ، ولوفرة تعبيره عن الآمال ، والآمال هى أظهر مظاهر الحرية الإنسانية . وهذا هو السبب
الذى من أجله ذهب العقاد كما أسلفنا إلى إننا إذا أردنا أن نتعرف على حرية أمة من الأمم ، فما علينا إلا أن نسأل
عن نصيبها من الشعر خاصة ، ومن وسائل الإعراب الأخرى عن ذوات النفوس . أهى شاعرة بالفطرة أم شاعرة
بالمحاكاة ، وهل شعرها من شعر العبقرية والطبع العميق ، أو هو شعر الحس والألفاظ والأصوات . وهذا ايضا
هو السبب الذى من أجله نظر العقاد إلى شكسبير على أنه صورة النفس الإنجليزية ، وإلى جوتة على أنه صورة
النفس الألمانية ، وإلى فروست على أنه صورة النفس الأمريكية ، وإلى المتنبى على أنه صورة النفس العربية
وإلى نفسه – العقاد – على أنه صورة النفس المصرية . وحقا كان العقاد صورة النفس المصرية ، وحقا كان
يعتبر نفسه شاعرا قبل أى شئ آخر ، وحقا إذا أنت سألت عن العقاد الشاعر فإنما تسأل عن مصر الشاعرة
وعقادنا إذ ينظر للشعر على أنه أسمى الفنون ، إنما يلتقى فى هذه النظرة التقويمية بفيلسوفين آخرين ينظران
ايضا إلى الشعر على أنه أسمى الفنون ، وإن اختلفوا جميعا فى زاوية النظر ، كل حسب الإطار العام لفلسفته
أو حسب الحدْس الجمالى الذى صدر عنه ، أحد هذين الفيلسوفين هو أرسطو الذى اتخذ من نظرية المحاكاة أساسا
لفلسفة الجمال ، ومعيارا لترتيب الفنون ، فذهب إلى أن الفنان لا ينقل الواقع كما هو ، وإنما يحاكى الواقع
كما ينبغى أن يكون ، لأن المشاهدات الجزئية ما هى إلا وسيلة للوصول إلى الحقيقة الكلية العامة ، وعلى ذلك
فالشعر فى رأى ارسطو أعلى مرتبة من علم التاريخ لأنه يصور الحقائق الكلية ولا يكتفى بذكر الوقائع
الجزئية والأحداث الملموسة . والآخر هو هيجل ذلك الفيلسفوف المثالى الذى اتخذ من المطلق أساسا لفلسفته
كلها . ونظر إلى الفن على أنه وسيلة لمعرفة الفكرة المطلقة أو الحقيقة الإلهية . وهيجل إذ يقرن الفلسفة
بالحقيقة على نحو يجعل الحقيقة هى الفكرة المطلقة كما تتجلى للعقل ، يُقرن أيضا الفن بالجمال على نحو
يجعل الجمال هو الفكرة المطلقة كما تتجلى للحس . وعلى ذلك يكون الابتعاد عن المادة والاقتراب من المطلق
هو الأساس فى ترتيب الفنون ، ويكون الشعر أعلى فى مرتبته من الموسيقى لانفصاله عن الآلات وابتعاده
عن المدرك الحسى . أما العقاد ، فقد اتخذ من الحرية كما اسلفنا اساسا لترتيب الفنون ، وانتهى إلى أن الشعر
أسماها وأرقاها لأن الشاعر أكثر من غيره حرية فى التعبير عن الذات ، ولأن الشعر أكثر الفنون قيودا وبالتالى
أكثرها حرية ، فعند العقاد إنه كلما زادت القيود اتسع الميدان لاختبار الحرية ، لأنه بغير القيود لا تكون
هناك حرية . ولكن ، ما هى قيود الحرية ، أو ما هى قيود الفن .
قيود الفن ، قواعد

والحق أن
هذه بديهة كان من التوفيق أن تنبه لها العقاد واتخذها ركنا من أركان نظريته فى الفن ، فعند الأستاذ إنه بغير
قيود ، لا تكون هناك حرية ، وبغير ضرورة ، لا يكون هناك إنسان حر. ومعنى هذا إنه لابد من قيام العقبات
فى وجه الإنسان ، كل إنسان ، لأن العقبات هى بالاصطلاح الفلسفى ، النتيجة الطبيعية لاتصال الأنا بالآخر
أو لاحتكاك الذات بالموضوع ، ومن هنا ، كان لابد للحرية من أن تصطدم بالعائق حتى تتحول إلى قيمة ، وحتى لا يكفى
أن يهتف الناس باسم الحرية ، بل أن يعملوا على التحرر بالفعل ، لأن التحرر هو الجهاد فى سبيل الحرية . فلئن
كانت الحرية شيئا كتب علينا أن نحياه كما يقول سارتر ، فالتحرر ، شئ لابد لنا من أن نعمل على إحرازه كما
يقول العقاد ، أو كما قال : " إن قيود الضرورة هى مسبار ما فى النفوس من جوهر الحرية الصحيحة كما
أن القيود التى تثقل بها أعضاء البهلوان الماهر ، هى مسبار مهارته وقدرته على الوثب واللعب ". ولكن
ما الوسيلة التى ندرك بها هذه الحقيقة ، الوسيلة عند العقاد هى الفن الجميل أو الملَكة التى يُدرك بها الفن الجميل
وهو يضرب لنا مثلا ببيت الشعر ، وتصرف الشاعر فيه ، وكيف أن بيت الشعر مثل حق لما يبنغى أن تكون
عليه الحياة بين قوانين الضرورة وحرية الجمال . فهو – الشعر – قيود شتى من وزن وقافية واطراد وانسجام
ولكن الشاعر يعبر عن طلاقة نفس لا حد لها حين يخطر بين كل هذه السدود خطيرة اللعب ويطفر من فوقها
طفرة النشاط ، ويطير بالخيال فى عالم لا وجود فيه للعقبات والعراقيل . وهكذا ، فلتكن الحياة ، وعلى هذا المعنى
فلنفهم ضروراتها وقوانينها . فما الضرورات والقوانين إلا القالب الذى تحصر فيه الحياة عند صبها ، وصياغتها
ليكون لها حيز محدود فى هذا الوجود ولتسلم من العدم المطلق الذى تصير بها الفوضى إليه ، وإلا فتصور عالما
لا موانع فيه ولا أثقال ، ثم انظر ماذا لعله يكون ، إنه لا يكون إلا فضاء بغير فاصل أو هيولى بغير تكوين
وهكذا
فليكن الفن ، وعلى هذا المعنى فلنفهم ضروراته وقوانينه ، فكلما زاد نصيب الفنان من القيود ، زاد نصيبه من الحرية
كما أن الإنسان كلما زاد نصيبه من الواجبات ، زاد نصيبه من الحقوق ، فالرجل الذى يحفظ توازنه وهو على
رجلين اثنين ، أكثر نصيبا من القيود من الطفل الذى يحبو على أربعة أطراف ، ولكنه أكثر نصيبا من الحرية
لأن الذى يسير على رجلين اثنين اقدر على السير على أربعة أطراف . والرجل الذى يسير على حبل مرتفع
عن الأرض أكثر نصيبا من القيود من الرجل الذى يسير على الأرض فحسب ، ولكنه أكثر نصيبا من الحرية
لأن الذى يسير على الحبل أقدر على السير على الأرض . وبافلوفا ، التى ترقص الباليه على أطراف أصابعها
لساعات طويلة ، أكثر نصيبا من القيود وبالتالى من الحرية من التى لا تجيد إلا السير على قدمين . وباجانينى
الذى يعزف على وتر واحد فى آلة الكمان أعقد الألحان الموسيقية ، أكثر نصيبا من القيود وبالتالى من الحرية
من الذى يعزف هذه المقطوعات نفسها على أوتار الكمان بأكملها ، وهما معا أكثر نصيبا من القيود والحرية
ممن لا يعزف على الإطلاق . وإن الكاتب الذى يكتب نثره أو حواره ملتزما قواعد اللغة العربية الفصحى لأكثر
نصيبا من القيود وبالتالى من الحرية معا ، من الكاتب الذى يكتب باللغة العامية . ولهذا كان العقاد يفضل نجيب
محفوظ على غيره من كتاب الرواية ، ويفضل توفيق الحكيم على غيره من كتاب المسرح . وإن الشاعر الذى
ينظم شعره ملتزما الوزن والقافية لهو بالمقياس الذى أوضحناه الشاعر الحر على الحقيقة . أو الشاعر الأكثر
نصيبا من الحرية من الذى يرسل شعره بلا وزن ولا قافية .ومن هنا ، نرى هجوم العقاد على " الشعر الجديد "
لم يكن يصدر عن خلفية تراثية فحسب ، بل وعن نتيجة فلسفية أو جمالية كما سنوضح هذا فى مقال آخر . المهم
الآن أن نعرف أن قيود الحرية هى قوانينها التى بدونها تصير إلى الفوضى ، وإن قيود الفن هى قواعده التى
بدونها يصير إلى التهريج أو الكلام الفارغ . ولذلك كان علينا أن نجعل من القانون حرية ومن القيود حلية ومن
الواجب شوقا وفرحا ، ومن العبث لعبا له نظام ، فهذا كما يقول العقاد :" هو المثل الأعلى فى الحياة ، وهذا
هو لب لباب فنها الإلهى الذى يلتقى فيه – كما يلتقى فى فنوننا – قيد الوزن وفرح اللعب ، ويتعانق على يديه
الخيال الشارد والقافية المحبوسة .وتلك هى سنة الله فى خلق هذا الكون الذى جعلت قوانيه مهرا لحريته وسببا
للشعور به ، فقام على هذا النظام وسطا بين العدمين : عدم الفوضى ، وعدم الوجود الأعمى ". وهذا هو ما عبرت
عنه الآنسة مى ، تعبيرا رائعا قالت فيه :" قضبان النوافذ فى الحصن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن يُنبت فى الجماد حياة ".
الفن والمنفعة
وكما جعل
العقاد من الجمال شرطا للحرية ، فلا حرية لأمة لا نصيب لها من الفن الجميل ، فهو كذلك يجعل من الملكة
الفنية عاملا من عوامل الترقى فى العلوم والصناعات ، وبذلك يقضى على الظن الشائع بين كثير من الناس
وبين كثير من اصحاب العلوم غير النظرية ، أولئك الذين ينظرون إلى الفنون الجميلة على أنها أعمال عقيمة
لا نفع فيها ولا فائدة ، أو على أنها أعمال إن اتفقت مع العصور السابقة ، عصور العاطفة والخيال ، فإنها لا تتفق
مع العصر الحديث ، عصر العلوم والصناعات . وما نشأ هذا الظن إلا عن جهل بمصار الأعمال ودوافع الحركة
فى النفوس ، أما الذى تثبته المشاهدة وتؤيده الخبرة ، فهو إن العامل لا يجوّد عمله ، ولا يحذق فى صناعته إلا بقدر
ما عنده من براعة الحس والتصوّر التى هى جزء من براعة الفن الجميل ". ومن الأمثلة الكثيرة التى يضربها
العقاد لبيان فضل الفن على العلوم ، فصل عن " التلوّن الواقى فى الحيوانات "، كان قد قرأه للعالم الإنجليزى
راى لانكستر" ، فوجده فى نهاية هذا الفصل يشكر للرسام الأمريكى " أبوت ثاير " فضله على علماء التاريخ
الطبيعى لما نبههم إليه من طبائع التلوين والتظليل والتوافق بين الألوان فى بعض الطيور .
فيسأل العقاد :" وكم من
دقائق فى الصناعات النافعة كانت تبرز للمخترعين لو طبعوا على دقة الحس التى طبع عليها رجال الفنون". وينتهى
إلى أنه " لا صناعة ولا تجارة ولا زراعة ولا علم ولا عمل من أعمال الحياة يمكن أن يتم على الوجه الأمثل
فى يد صانع ، لا ذوق فى سليقته للجمال ، ولا قدرة له على تناول الأشياء كما تتناولها يد الفنان ". لكن
هل يُفهم من هذا أن العقاد ممن يقولون بالفن الهادف أو ممن يضعون الفن فى خدمة الحياة ، هنا يطالعنا فيلسوف
الحرية الذى لا يقبل من المعانى والأشياء إلا ما فيه تأكيد للفعل الإرادى الحر ، فلو أن الحرية تعارضت مع الحاجة
والاضطرار ، لقدم العقاد الحرية على كل شئ فى الحياة ، بل وعلى الحياة نفسها ، لأن الحياة حينئذ لا تكون
إلا قيودا واغلالا . وفرق بين القيود التى هى قواعد وقوانين ، والقيود التى هى أغلال وأثقال . فالإنسان أو الأمة
التى تسيطر الضرورة عليها ، هى أمة موت لا أمة حياة ، لأن الذى لا نستغنى عنه دائما هو الضرورات الحيوانية
التى تقارب بيننا وبين من دوننا من الأحياء ، والذى نحسبه من الكماليات ، هو الكمال الذى تتفاضل به منازل
الناس . وهى ثانية أمة موت ، لا أمة حياة ، لأنها جعلت القيْد هو الغرض ، والحاجة هى الغاية ، ونسيت بذلك
غرض الحياة الأسمى وغايتها القصوى : الحرية والجمال . ولا يُفهم من هذا أن العقاد يقطع الصلة بين الفن
والمنفعة ، أو بين الفن والحياة ، وإنما الذى يُفهم هو إنه يجعل هذه الصلة فى المرتبة الثانية لا فى المرتبة الأولى
بمعنى إن الفنان إذ يمارس حريته فى التعبير لا يضع أمامه هدفا بعينه بحيث يجئ عمله الفنى خادما لهذا الهدف
دينيا كان أو أخلاقيا أو اجتماعيا ، وإنما هو يعبّر بحرية ، وحرية كاملة ، وبعد ذلك يجئ عمله خادما للدين أو الأخلاق
أو الحياة ، المهم إنه لا يضع عمله فى خدمة هذه الأشياء لأنه لو فعل لانتقل من عالم الفن إلى عالم الأخلاق
واصبح من دعاة الأخلاق لا من أهل الفن . فالعمل الفنى لا يستهدف إلا حرية التعبير ، بعكس العمل الأخلاقى
الذى يستهدف خدمة الفكرة أو خدمة العقيدة ، ولذلك كان " الجميل " هو ما يُدرك فى ذاته ، بعكس " الخير
الذى يُدرك دائما بالقياس إلى شئ خارجى ، ولعل هذا ما عبّر عنه كانط بقوله :" إن الجمال هو إدراك غرضية الشئ بلا غرض ، أو غائية الشئ بلا غاية ".
الفن والأخلاق
ولكن ، إذا كان
للفنان أن يستمتع بحريته كاملة ، فماذا عن الأخلاق ، ماذا لو تعارض الفن مع الأخلاق ، هل يستطيع الفنان
أن يتخذ من الرذيلة موضوعا يستخلص منه صورا فنية جميلة ، وهل يستطيع أن يستخلص من الشر جمالا يجعله
موضوعا لعمله الفنى . وهنا أيضا يطالعنا فيلسوف الحرية الذى يقدّم الحرية على كل شئ فى الحياة ، وبل وعلى
الحياة نفسها ، فيبيح للفنان أن ينطلق فى كل الاتجاهات وأن يعبر عن كافة مظاهر الوجود ، فإذا كان الشر والجمال
قد اجتمعا كثيرا فى الطبيعة والحياة ، فلا مانع عند العقاد أن يجتمعا فى الشعر وفى غيره من الفنون ، بل لا مانع
عنده أن يكون القبح نفسه ، وهو نقيض الجمال ، موضوعا للفنون الجميلة من شعر وتمثيل وتصوير ، فجمال
القبح ، ولذه الألم ، وطهارة الخطيئة ، كلها موضوعات صالحة لتناول الفنان ، وهى مقبولة إذا أداها الفنان أداء
جميلا جيدا ،وعلى ذلك ، فالشاعر حين يصف ليلة حمراء ، والرسام حين يصوّر مخدع مومس ، والممثلة حين
تقوم بآداء دور الفاجرة ، إنما يقدمون جميعا فنا جميلا رائعا حين يجيدون الوصف والآداء ، أما المومس نفسها
من حيث هى وعاء من الرذيلة ، ومظهر من مظاهر الفساد الاجتماعى ، فموضوع آخر ، تعالجه المذاهب الاجتماعية
وعلم الأخلاق ، وفى هذا يقول العقاد :" وأيا كان رأيى فى المثل الأعلى والأخلاق ، فليس فى قدرتى ولا هو
من حقى أن أخلط ما بين مقاييس البلاغة ومقاييس الأخلاق ". وإلى هنا يتفق فيلسوفنا مع الفيلسوف الإيطالى
كروتشة الذى يفصل بين الفن والخلاق فصلا حاسما جريا مع فلسفته العامة التى يقسّم فيها المعرفة إلى معرفة منطق
ومعرفة بداهة . جاعلا العقل عماد المنطق ، والخيال عماد البداهة ، فيقول فى كتابة " المجمل فى فلسفة الفن " :" إن العمل الفنى
لا يمكن أن يكون فعلا نفعيا يتجه إلى بلوغ لذة أو استبعاد ألم ، لأن الفن من حيث هو فن ، لا شأن له بالمنفعة
فقد تعبر الصورة عن فعل يُحمد أو يُذم من الناحية الخلقية ، ولكن الصورة من حيث هى صورة ، لا يمكن أن تُحمد
أو تُذم من الناحية الأخلاقية ، لأنه ليس ثمة حكم أخلاقى يمكن أن يصدر عن إنسان عاقل ويكون موضوعه
صورة ". نقول إن العقاد ، يمضى مع كروتشه إلى هذا الحد الذى يفصل فيه بين الفن والأخلاق ، على النحو
الذى يفصل فيه بين الفن والعلم ، فيقبل من ميلتون أن يصوّر فى " الفردوس المفقود " خبث الشيطان وغوايته
ومن بودلير أن يصوّر فى " أزهار الشر " الجيفة والانقباض والدماء الشائخة . ومن ابن الرومى ان يصوّر
دمامة الأحدب والأصلع والشحيح . ولكنه لا يقف عند الحد الذى وقف عنده كروتشه ، بل يتعداه إلى القول بأننا :" إذا أجزنا
للشاعر أن يتخذ الشر موضوعا فى بعض الأحيان ، لا نبرئه من تهمة المسخ والانحراف حين ننظر فى شعره
فلا نرى فيه إلا الشر والقبح والخوف والانقباض ، فنقول إنه شاعر يصف ما يحسه ويجيد وصفه وآداءه
ثم نقول إنه يحس هذا دون غيره لأنه ممسوخ منحرف منقوص الحظ من العبقرية والحياة ". فالعقاد يمضى
مع كروتشة إلى الحد الذى يعطى فيه الفنان حقه من التقدير الفنى ،ولكنه يتخطاه إلى الحد الذى يعطى فيه الفنان
حقه من التقدير الإنسانى . لأن فنان كروتشه الذى يكتفى بالبعد الفنى يقف عند حد "الإنسانى" ، فيصل إلى مرتبة
الفنان العظيم ، وعند العقاد إنه إذا كان كل عظيم قديرا ، فليس من اللازم أن يكون كل قدير ، عظيما ، وهو يُعجب
بالعظمة فوق إعجابه بالقدرة ، لأن من ذوى القدرة من ليسوا عظماء ، هكذا كان العقاد يقدّر عبقرية " معاوية
ولكنه يفضّل عليها عظمة " على " . ويقدّر عبقرية " ابن الرومى" ويفضل عليها عظمة " ابى العلاء " ، ويقدر
عبقرية " بن جونسون " ويفضل عليها عظمة " شكسبير " ، ويقدر عبقرية " بودلير " ويفضل عليها عظمة
رومان رولان " ، فكلاهما – فى كل هذه التقسيمات - عبقرى ، ولكن الثانى يزيد عن الأول بأنه عظيم . وهنا يرتفع
العقاد إلى عظمة صاحب كتاب " اللاوكون" الذى وضع الحدود بين الشعروالتصوير ، ليضع هو الحدود بين
الشر والجمال . وبين التعبير عن الشر ، والشر فى ذاته ، وبين الشر فى ذاته وعمل الشر وتسويغه . ولكن
إذا كانت تلك هى طبيعة العلاقة بين الفن والأخلاق ، فما هى وظيفة الفن على وجه التحديد . هناك نظريات
كثيرة وُضعت لبيان وظيفة الفن أو لبيان الدور الوظيفى الذى يقوم به الفن فى الحياة ، ولعل أهم هذه النظريات
وأكثرها شيوعا، النظرية القائلة بأن " الفن للفن " والتى تتمثل بشكل صارخ فى أعمال " اوسكار وايلد " ثم
النظرية القائلة بأن " الفن للحياة " والتى تتمثل أكثر ما تتمثل فى أعمال " مكسيم جوركى" ، فما هو إذن موقف
العقاد من هاتين النظريتين ، هل يأخذ باحداهما أم يأخذ بكلتيهما ، أم يتركهما معا ، ويطلع بنظرية أخرى
جديدة . إن العقاد بطبيعة تفكيره واعتقاده التى تجعله لا يدين بمذهب فلسفى محدود ، ولا يقتدى بشرعة
فيلسوف واحد ، لأن الحياة الإنسنية عنده أوسع نطاقا من أن تنحصر فى وجهة واحدة . العقاد ، بطبيعة
تفكيره واعتقاده التى تجعله إذا ما قيل له أيهما ، قال " كلاهما ، وزيادة " . استطاع أن يتمثل كلا الاتجاهين
وأن يجعلهما عناصر تنصهر فى بوتقة الاتجاه الذى اتجه إليه ، والذى جاء متجانسا مع فلسفته العامة من ناحية
ومع نظريته الاستطيقية من ناحية أخرى . فعند العقاد ، كما عند فيلسوف الجمال المعاصر " جورج روبين
كولنجوود " إنه لابد من التفرقة بين نوعين من الفن : الفن الذى يقوم على الخيال ، والفن الذى يقوم على الوهم
والخداع . فالفن الخادع هو الفن الذى يرضى شهوة من الشهوات يفقدها الإنسان فى عالم الحس فيموها
على نفسه فى عالم الأحلام . إما الخيال فإنه يقوم بوظيفته كما تقوم الحواس بوظيفتها دون أن يقصد إلى
الخداع ودون أن يعمد إلى إرضاء الشهوات ،وإن جاء منه عفوا ، ما يخدع الحس أو ما يرضى الشهوة
ويمتاز فن الخيال على فن الخداع بأنه فن لا يتوخى التسلية ولا إثارة الإحساس ، بل يعمد إلى الأشياء التى
يحسها الناس إحساسا مبهما أو مضطربا فيجلوها لهم ، ويرفعها أمامهم من قراراتها الغامضة إلى وضح
الوعى والتصوّر المبين ". وهكذا لا يأخذ العقاد بالاتجاه القائل بأن " الفن للفن " أو " الفن للحياة " ، فعند العقاد
إن الفن لموضوعه ، وموضوعه كما سبق أن أوضحناه هو تجلية الخيال والشعور على نحو فيه خلق وإبداع
وفيه تقرير للذات ، وتعبير عن الحرية ، وهذا ما عبر عنه العقاد بقوله :" إننا نرتقى فى تقدير الفن ، كلما ارتقينا
فى تقدير الحسن والبداهة ، وفى العلم بوظيفة الخيال ، فليس الفن مقيّدا بالحس ولا بالمدركات الحسية ، وليس
الخيال خداعا منعزلا عن حقائق الأشياء ، بل هو وظيفة مبدعة تنفذ من أسرار الخلق إلى الصميم ".
والخلاصة
الخلاصة ، هى كما يقول الأستاذ إنه :" ليس علينا إلا أن نحب الحرية كما نهتف باسمها ليكون لنا ما نريده
من الفن الجميل ، بل ليكون لنا كل ما يُتاح للأحياء من مطالب الحياة ". وإلى هنا ينتهى رأى العقاد فى مشكلة
الفن ، وهو الرأى الذى يرد فيه الجمال إلى الحرية ، أما رأيه فى مشكلة الحقيقة ،وهو الرأى الذى يرد فيه
المادة إلى الروح ، فهو ما سنراه فى مقالنا القادم عن " فلسفة النور عند العقاد "
جلال العشرى

No comments: