Friday, June 29, 2007

الفضائل والرذائل ، قصة قصيرة ، بقلم : سالتيكوف شدرين ، من الأدب الروسى الثورى


ترجمة : محمد بدران ، دار الطباعة الحديثة

كلمة للمترجم :

" وقد كُتبت هذه القصص فى العقد التاسع من القرن الماضى ، وهى تستند إلى حقائق تاريخية وواقعية . غير

أن الرسالة التى تحملها هذه القصص ، والحقائق المرة التى تنقلها ن لا تقف عند حدود أى عصر من العصور

أو قطر من الأقطار ، وهى فى كل جيل تزداد قوة على قوتها ، وواقعية على واقعيتها . وإنّا لنجد فيها أمثلة لما

كان فى بلادنا نفسها ، وما أشبه حال الفلاحين الذى تمثلهم هذه القصص بحالهم التى كانوا عليها أيام الإقطاع

فى بلادنا . وقد قال "ساليتكوف شدرين " عن قصصه قولا هو عين الصواب :" لقد كان غرضى الوحيد من

كتابة قصصى هو أن أحتج بكل ما أوتيت من قوة على الطمع ، والنفاق، والكذب ، والسرقة ، والغدر ، والغباء الخ".

وهى رذائل اجتماعية خليقة بأن تكون على الدوام موضع التنديد والاحتجاج ، ولقد كان هذا أكبر باعث لنا على

ترجمة هذه القصص إلى لغتنا العربية . والقصص التى كتبها " سالتيكوف" فى آخر سنى حياته ، صورة مصغّرة

لعمل الناقد الساخر الذى كان له فضل كبير على التفكير الثورى فى روسيا ".

القصة القصيرة

" الفضائل والرذائل"

"ثار النزاع بين الفضائل والرذائل من أقدم الأيام ، فقد كانت الرذائل تفيد من الحياة أكبر فائدة ، وتؤدى أعمالها

بحذق ونشاط ، أما الفضائل فكانت أقل منها فطنة إلى حد ما ، ولكنها كانت تُضرب بها الأمثال فى جميع مبادئ

التعليم ، وفى كتب المطالعة المدرسية . بيد أنها رغم هذا التكريم كانت تفكّر فى السر قائلة :" ألا يجدر بنا ويُعلى

من شأننا أن ننعم بنعمة قليلة أو نعمتين كما تنعم الرذائل". والحق أن هذا ما فعلته الفضائل فى التو

والساعة.

ويصعب علينا أن نتبيّن سبب النزاع الأول بين الفضائل والرذائل ، وإن كان يبدو أن الفضائل هى البادئة ، فقد

كان الإثم وقتئذ غلاما ناشطا فارها ، يُتقن جميع أساليب المكر والخداع. ولما شرع يجتاز الآفاق بخطاه الجبارة

كأنه الجواد المجلى ويزدهى على العالم كله بأثوابه الحريرية المطرزة بخيوط الذهب ، لم يكن بين الفضائل كلها

ما هو ند له فاغتاظت الفضائل من هذا أشد الغيظ.

وقالت الفضائل وهى تلوح له بقبضتها منذرة ومتوعدة :" لا بأس ، افعل ما بدا لك ، ازده ما تشاء بخزك وديباجك

أيها المدعى الكاذب، لكن الناس سيكرموننا نحن الفضائل بحالنا التى نحن عليها فى أثوابنا الخشنة

الممزقة ".

فردت عليها الرذائل قائلة :" فلتنالى ما تشائين من التكريم ، وليبارك الله فيك".

وكان هذا التهكم أكثر مما تطيقه صديقاتنا الفضائل ، فسارت فى سبيلها تسب الرذائل، وتلعنها فى جميع الطرق

الكبيرة والصغيرة . فكانت تعترض المارة عند ملتقى الطرق ، وهى فى أسمالها البالية ، وثيابها الخشنة ، وتقول

لهم :" أصدقونى القول ، أيها الخلائق الكرام ، ألسنا أعزاء عليكم ، قريبين من قلوبكم ، وإن كنا فى هذه الأسمال."

ولكن المارة كانوا يردون عليهم بقولهم :" يا صاحبات الثياب الرثة ، لقد شاهدنا منكن فى الأيام الأخيرة أكثر

مما نحتمل ، أفسحن لنا الطريق ، ولا تعترضن سبيلنا ، وكان الله فى عونكن .".

وحاولت الفضائل أن تجرّب حظها مع القانون ، وطلبت العون من حماته رجال الشرطة ، وقالت لهم :" أين

أعينكم ، لقد تركتم للناس الحبل على الغارب، إن أول ما يجب أن تعرفوه أن الناس قد غرقوا إلى آذانهم فى الإثم ".

لكن رجال الشرطة لم يفعلوا أكثر من أن يقفوا فى أماكنهم ، ويحيوا الرذائل ، فارتدت الفضائل مرة أخرى خائبة

غاضبة ، وكل ما استطاعت أن تفعله هو أن تهددهم قائلة :" ألا فلتنتظروا ، وستمر بكم فترة من العمل المجهد

المضنى جزاء لكم على أفعالكم ".

وكانت الرذائل فى هذه الأثناء تسير فى طريقها وهى أكثر نشاطا من ذى قبل ، بل إنها أخذت تزهو بنفسها وتشمخ

بأنوفها ، وقالت ساخرة :" ها ، ها ، ألا ما أشد روعتنا ، أتهددن بالعمل المجهد المضنى ، إنه لم يتقرّر بعد ، هل

نواصل السير فى طريقنا . أو لا نواصله ، لكنكن غارقات فى العمل المجهد المضنى حتى آذانكن من يوم أن

ولدتن . ويل لكن أيتها الحقورات الهزيلات النحيلات ، ما بالكن تحملقن فينا ، إنكن تصررن بأسنانكن وأنتن

تنظرن إلى الفطيرة ، ولكنكن لا تعرفن كيف تفدن منها ".

وخلاصة القول ، إن النزاع أخذ يزداد شدة بين هذه وتلك على مر الأيام ، بل وصل فى بعض الأحيان إلى معركة

حامية الوطيس ، ولكن الحظ هنا أيضا خان الفضائل. فقد كانت الرذائل تنتصرن عليهن ، وتصفدهن فى

الأغلال

وتقلن لهن :" قفن مكانكن ولا تتحركن يا مثيرات الشغب والمتاعب".

فكانت الفضائل يقفن فى مكانهن حتى تتدخّل قوى خفية وتطلق سراحهن .

وحدث فى احدى هذه المعارك أن مرّ بهن " إيفانشكا" الأبله ، فتوقف عن السير ، وقال للمحاربات :" ألا ما أكثر

حماقتكن ، ماذا تفعلن بأنفسكن ، لقد كنتن فى أول أمركن متشابهات ، فقد كنتن مجرد صفات ، ولم تُقسمن إلى

فضائل ورذائل إلا على مر الأيام . وذلك بفضل مماحكات الآدميين وتنطعم ، فقد كبتوا بعض الصفات ، وأطلقوا

العنان للبعض الآخر ، وهكذا اختلت دواليب الآلة وتروسها ، ووجد الاضطراب ، والشقاق، والأحزان ، مجالا

واسعا فى العالم ، ولكن خذن عنى ما يجب عليكن أن تفعلنه ، عدن إلى المنبع الأصيل للأشياء جميعها ، فلعلكن

تلتقين عند نقطة معينة ".

هذا ما قال " إيفانشكا" الأبله ، ولما فرغ من قوله ، سار فى طريقه إلى بيت المال ليؤدى ما عليه من الضرائب.

ووضعت المقاتلات سيوفها فى أغمادها ، وألقت ببنادقها إلى جانبها ، وأخذت تفكر - ولسنا نعلم أكان سبب ذلك

هو ما أحدثته أقوال الأبله من أثر فى نفوسها ، أم أن ذخيرتها قد نفذت ، فلم تستطع مواصلة القتال -.

وكانت الفضائل أكثر الطرفين تفكيرا ، فقد عضها الجوع بنابه ، وكانت فقيرة مسكينة . أما الرذائل ، فلم يكد

يصدر إليها الأمر بوقف القتال ، حتى شرعت تجوس خلال الديار ، وتواصل أعمالها السافلة ، وتحيا حياتها

كاملة . وكان " التواضع " أول من تحدث ، فقال :" فليتحدث الأبله ما طاب له الحديث عن الصفات ، فنحن

نعرف عنها بقدر ما يعرف هو ، ولكن ثمة "صفات" تخطر فى الخز والديباج ، وتطعم فى صحاف من الذهب ،

فى حين إن غيرها تسير فى أسمال رثة ، ولا تذوق شيئا من الطعام اليوم كله . إن الأبله اللعين لا يمكن أن يخدعنا

بهذا القول ، لقد ملأ بطنه من الطعام ، ثم جاء يُلقى علينا حكمه ، ولكنك لا تستطيع أن تخدعنا نحن المتمرسات

المجربات ، فنحن نعرف الجمر من التمر".

وزمجرت " اللباقة " وهى شبه مرتاعة وقالت :" و أين عثر الأبله على هذه الصفات ، أليس وقع الاسم غريبا

على أسماعكم جميعا ، لقد وُجدت الفضائل من قديم الزمن ، ووُجدت أيضا الرذائل ، ذلك نظام قائم منذ الآلاف

من السنين ، وقد كُتبت مئات الآلاف من المجلدات الضخمة فى هذه الموضوع ، وبعد هذا يجئ هذا المخلوق ويظن

أنه أكثر الخلائق حذقا ، الفضائل ، لا يا سيدى ، اذهب وابحث أولا فى مئات الآلاف من الكتب ، وانظر ما يعلوها

من الثرى ".

وطال الحديث فى هذا الموضوع ، ثم استقر الرأى على أن ما نطقت به اللباقة هو الحل ، ذلك أن الآلاف المؤلفة

من القرون قد مضت وفيها كانت الفضائل ، فضائل ، والرذائل ، رذائل . وما شأن آلاف الآلاف من المجلّدات

التى كُتبت فى هذه الموضوع ، وما قيمة جبال الأوراق وبحار المداد التى استنفذتها هذه الكتب . ورغم هذا كله

ظلت الفضائل واقفة إلى اليمين ، والرذائل إلى اليسار.

.ثم يُطلب إلينا فجأة ، إذا أخذنا بأقوال الأبله ، أن نمحو هذا كله ونستبدل به " الصفات " أيا كان

نوعها . ألا ما أشبه هذا بأن يتخلى الإنسان عن مكانته ومنزلته ويسمى نفسه " آدميا " فحسب. لعل هذا اللفظ

قد بدا بسيطا سهل الوقع على السمع ، ولكن قد تمر أوقات تكون فيها البساطة شرا من السرقة . اذهب مثلا وألمس

شيئا ما " بكل بساطة" ، إنك ستصادف فى أول خطوة كثيرا من المزالق والمهاوى حتى إنك لتكونن سعيدا إذا

لم تترك رأسك وراءك فى احداها .

لا ، لا فائدة من التفكير فى " الصفات " ، فليفكروا فى شئ آخر إذا كان لابد من حسم الخلاف ( أو الوصول

إلى اتفاق وسط كما يُقال).

قد يكون ثمة نفع إذا توصلنا إلى اتفاق فتشرح له قلوب الفضائل ، ولا يبدو مع ذلك رديئا فى نظر الرذائل ، ذلك

بأن الرذائل تصادفها المتاعب هى الأخرى فى بعض الأحيان . فقد حدث من وقت قريب ، أن قٌبض على " الشبق"

متلبسا بجريمة فى الحمامات ، واُتخذت ضده الإجراءات . وفى تلك الليلة نفسها أًلقى " بالفسق" من فوق المدرج

ولم يكن عليه من الثياب إلاّ قميص النوم . ولم يمض إلاّ قليل من الوقت مذ كان " الألحاد " يصول ويجول ، ثم

أجتثت أصوله الآن . ولهذا يبدو أن اتفاقا من نوع ما لن يكون فى غير مصلحة الرذائل نفسها .

" أيتها السيدات ، وأيها السادة من الفضائل ، ماذا لديكم من الاقتراحات تعرضونها علينا ، وأيكم قد لاحت له

فكرة صغيرة تافهة ".

وكان أول من استجاب إلى هذا النداء ، شيخ أشيب اللحية ضئيل الجسم يُدعى " الخبرة " ( والخبرة نوعان خبيثة

وطيبة ، وكان هذا الذى تكلم من نوع الخبرة الطيبة ) . ، وكان الاقتراح الذى عرضه هو هذا :" ابحثوا عن شخص

كالجوهرة تحترمه الفضائل، ويكون فى الوقت عينه مقبولا عند الرذائل ، فإذا وجدتموه ، فأرسلوه يحمل راية

الهدنة إلى معسكر العدو".

وأخذت الفضائل تتطلع يمنه ويسرة بعض الوقت ، ثم وجدت ضالتها بطبيعة الحال فى اثنتين عزبتين هما : " الاعتدال ، والنظام "،

وكانت كلتاهما يعيشن فى الأحياء القذرة الفقيرة من حى الفضائل . وكان يُظن أنهما يتيمتان ، ولكنهما كانتا تتجران

فى نوع من المشروبات الورحية يقطرانها فى المنزل ، وكانت لهما فى الوقت نفسه صلة خفية بالرذائل.

يُقال

فى الأمثال ، إن الفطيرة الأولى تكون غير متقنة الصنع على الدوام ، ولم تكن الأرملتان ذواتى منظر جذاب ، وكانتا

فى الوقت نفسه بنتين لا تصلحان للمهمة التى أُختيرتا لها . ولهذا فإنهما لم تكادا تضعان أقدامها فى معكسر الرذائل

وتفتحا فميهما بالكلام فتقولان :" قليلا ، قليلا ، لنسر على مهل ، ولنتأكد من موقع خطانا ".

حتى

هبت جماعة الرذائل كلها ، وصرخت فى وجهيهما :" اخرجا من هنا ، فلطالما سمعنا هذا اللغو من قبل ، وما أكثر

ما حاولتما أن تخدعانا بمعسول اللفظ ، ولكننا لا ننخدع به ، اغربا عن أنظارنا ، ووفرا على نفسيكما مشقة الحديث".

وكأنما أرادت أن تُظهر للفضائل أنها لا تنخدع بهذا التهريج ، فأقامت حفلة طرب فى فندق سمرقند دامت طوال

الليل ، ولما همّت بالخروج من الفندق فى الصباح ، ألقت القبض على " التقوى والعفة " وارتكبت مع هاتين

البنيتين المسكينتين من السفالة ما ارتاع له خدم فندق سمرقند أنفسهم ، وقالوا " أولئك شبان حسنو المظهر ، ولكن

انظروا ماذا يفعلون ".

فلما حدث هذا ، أدركت الفضائل أن الأمور قد ساءت إلى أقصى حد ، وأن لابد من علاجها علاجا حاسما . وكان

قد نشأ بينهما فى ذلك الوقت مخلوق ، لا هو ذكر ولا هو أنثى ، ولا هو سمك ، ولا لحم ، ولا رنكة حمراء

طيبة . ولا هو فارس ، ولا سيدة شريفة ، بل فيه قليل من الفارس وقليل من السيدة . نشأ فجأة وأينع ، وقد

سُمى هذا المخلوق الوسط الذى لم تُعرف حقيقته ، والذى ليس بالذكر ولا بالأنثى ، " النفاق".

وكان كل ما يحيط بهذا المخلوق العجيب من بداية أمره ظلاما فى ظلام ، وقد جرى على لسان المعمّرين من أهل

الإقليم أن " الاستسلام " و " الشهوة " ، قد وصلا فى يوم من الأيام إلى اتفاق بينهما فى دهليز مظلم ، وأن " النفاق"

كان ثمرة هذا الاتصال . ثم رُبى ونشأ فى كنف الفضائل ، فلما شبّ " الحق " بمدرسة داخلية ، تديرها السيدة

" كما يجب" ، وهى امرأة فرنسية ، وكانت عادات " النفاق" وأفعاله نفسها مما يؤيد هذا الظن الخاص بنشأة

" النفاق" ، فهو لا يخرج إلاّ مطرق العينين ، ولكن من يراقبونه عن كثب قد لاحظوا أكثر من مرة أن شباح الشهوة

تلوح كثيرا فى وجهه ، وعجيزتيه تهتزان اهتزازا يتنافى مع الأدب ، وما من شك فى أن مدرسة " كما يجب "

الداخلية ملومة إلى حد كبير عن هذا المظهر الغامض. وقد أتقن " النفاق" فى هذه المدرسة جميع الموضوعات

الدراسية الهامة ، كالسير على خط الطباشير ، وعدم السماح للزبد بأن يسبح فى الفم ، وكل شئ يضمن لمن يُتقنه

الحياة الفاضلة ، ولكنه لم يستطع فى الوقت نفسه أن يتجنّب رقصة الكانكان التى تزخر بها جدران المدرسة الداخلية

ويمتلئ بها هؤاؤها نفسه . وكان مما زاد الطين بلة ، أن السيدة " كما يجب" نفسها قد أسرّت إلى " النفاق" بجميع

التفاصيل الخاصة بأبويه . فأما والده " الشهوة " فقد قال عنه إنه كان وقحا سيئ الأدب ، يريد على الدوام أن

يقرصك . أما أمه " الاستسلام " فقد قالت عنه إنه وإن لم يكن بهىّ الطلعة ، كان أسوأ من أبيه أدبا فى هذه الناحية .

وهذا المخلوق الخنثى ، الذى لا يرفع عينيه عن الأرض ، ولكنه مع ذلك يلقى نظرات فاجرة من تحت جفنيه على

كل ما حوله ، هو الذى اختارته الفضائل للمفاوضة مع الرذائل للوصول إلى طريقة للتعايش السلمى ، تمكّن

كلتا الطائفتين من أن تعيش معيشة حرة ميسرة . وأرادت " الشهامة " أن تختبر هذا الطالب ، فقال له :" هل

تعرف كيف تسير فى العمل لمصلحتنا ".

فرد عليها " النفاق" فى دهشة بالغة :" من ، أنا ، سأسير فيه على هذا النحو ".

وقبل أن تفكر الفضائل فى الأمر ، أطرق " النفاق" بعينيه الصغيرتين التقيتين ، وطوى ذراعيه فى صدره ، وكست

وجنتيه البريئتين المتوقدتين حمرة من الخجل غاية فى الجمال. لقد كان فى هذا عذراء بحق ، وأى شئ غير هذا

يجعل الرسول صالحا للمفاوضة .

" ها ، ها ، ألا ما أشد هذا الدهاء ، وما رأيك فى أساليب الرذائل".

ولكن " النفاق" لم يعن بالرد على هذا السؤال . وقررت الفضائل بإجماع الآراء أن يقوم " بزييف " الكاتب العام

الشهير فى " بطرسبيرج" بعمل توكيل عام تسلمه النفاق على الفور لكى ينوب عن الفضائل فى قضيتها .

لقد

كانت مهمة شاقة ،ولكن الفضائل ، رغبت أو لم ترغب ، كان لابد لها أن تُقاضى الرذائل ، وتطلب إليها الاعتذار

عما فرط منها . وعلى هذا ذهب " النفاق" إلى وكرها الكريه . ولما أقبل عليه لم يعرف - وياللعار - أين يُخفى

عينيه ، وقال يشكو بصوت عال :" إن هذه الأقذار قد انتشرت على أوسع نطاق هذه الأيام ". ثم قال فى نفسه :"ألا ما

أعجب الحياة التى تحياها الرذائل ". والحق إنه لم يكد " النفاق" يبتعد ميلا واحدا عن حىّ الفضائل حتى علا

المرح من حوله - من ضحك ورقص وألعاب - وأخذ صوت القصف والطرب يتردد صداه فى الهواء . وأبصر

المدينة التى بنتها الرذائل ، والتى كان منظرها يخلب الألباب ، فهى مدينة واسعة الرقعة ، تسر الأنظار ، بها

طرقات وشوارع واسعة ، وميادين و متنزهات ، وكان من شوارعها " الحنث فى الأيمان " ، وشارع " الغدر"،

بل كان فيها أيضا طريق " العار". وكان لأبى " الكذب" نفسه خباء هناك يبيع فيه "النميمة" بالجملة والأشتات.

ولم تكد الرذائل نفسها تُلقى نظرة على " النفاق" حتى شهقت شهقة كبرى رغم ما كانت تعيش فيه من مرح ، ورغم

براعتها فى ابتكار الحيل وأساليب الخداع ، لقد كان مظهر " النفاق" هو مظهر العذراء البريئة ، ولكن الشيطان

نفسه لم يكن يستطيع أن يعرف أهو عذراء بحق أم لا . بل إن أبا " الكذب" نفسه ، وهو الذى كان يظن أن ليس

فى العالم قدرة يتفوق فيها على غيره ، قد جحظت عيناه حين أبصرتا " النفاق". وقال :" لقد كنت أبله حين خُيّل

إلىّ أنى أكثر الخلق وباء فى العالم ، ولكنى وجدت نفسى لا شئ إذا قورنت بهذا ، فهذا هو ذا الثعبان الحق . ذلك

أن طريقتى فى عمل الأشياء ، أن أعملها علنا وفى صراحة ، وهذا هو السبب فى أنى أحيانا ، ولا أقول غالبا،

أُطرد بركلة ، لتذكّرنى بما فعلت ، أما هذا الكائن البدين ، الجليل القدر ، فإنه إذا التصق بك مرة ، استحال عليك

أن تتخلّص منه ، بل إنك ستتعثر فيه ، ويُمسك بك حتى يمتصك إلى آخر قطرة ".

غير أن " النفاق" لم يسلم من النزاع فى ذلك المكان رغم ما بعثه فيه من حماسة . ذلك أن أكثر المواطنين صلابة

بين الرذائل ، أولئك الذين كانوا يقدّرون التقاليد فوق كل شئ ( كالسفسطة ، والحزق ، وعداء المجتمع ، وأمثالها ).

لم يمتنعوا عن الخروج للقاء " النفاق" فحسب ، بل إنهم حذروا أيضا غيرهم من الخروج للقائه ، وقالوا لهم :" إن

الرذيلة الحقة لا حاجة لها بالاختفاء ، فهى تشرع علمها عاليا ، تتحدى به غيرها جهيرة . وأى شئ جديد ذو شأن

يستطيع " النفاق" أن يكشف لنا عنه ، ولم نكن نعرفه أو نمارسه منذ بداية الزمان ، لاشئ على الإطلاق ، بل

إنه على عكس هذا ، سيعلّمنا التستر، ويرغمنا ، إذا لم نستح من أنفسنا ، على أن نتظاهر على الأقل بهذا الحياء .

إننا لم نعدم حتى الآن أتباعا صادقين ثابتين ، ولكنهم فيما بعد إذا رأوا تسترنا قد يقولون :" لابد أن الرذائل قد

تأزمت أمورها ، فقد انحطت حتى أضحت تُنكر نفسها ، ثم يُدبرون عنا نحن الرذائل - وسيدبرون لا محالة - وما

علينا إلا أن ننتظر".

هذا ما تحدّث به خطباء الرذائل المضرسون ، الذين لا يعترفون بالنزعات الجديدة ، ولا بالمعنويات أو قوة الظروف

ذلك أنهم وقد ولدوا فوق أكوام الأقذار ، يفضّلون أن يختنقوا فيها بدل أن يحيدوا عن تقاليد الآباء

والأجداد.

وكان ثمة طائفة أخرى من الرذائل غير الطائفة سالفة الذك ، لم تتحمّس كثيرا للقاء " النفاق" ، ولم يكن ذلك

لاشمئزازها منه ، بل لأنها قد أنشأت صلات سرية مع الفضائل دون أن تنتظر وساطة النفاق ، وكان من بين

هذه الطائفة " الخيانة "، و " عدم الولاء" ، و " الغدر" ، و " النميمية " ، و " المماحكة " ، وما إليها . فهذه

لم ترفع أصواتها بالتحية ، ولم تستقبله بالتصفيق بالأيدى وشرب الأنخاب ، بل اكتفت بأن تغمز إليه بأعينها خفية

كأنها تقول له :" ها أنت ذا ، مرحبا بك ".

ومهما يكن من شئ ، فإن " النفاق" قد نال نصر مؤزرا ، ذلك أن الشباب من بين الرذائل " كالسكر " و" الفسق" ،

و " العربدة " وأمثالها ، دعت من فورها إلى احتفال ، واستقبلت حامل راية الهدنة استقبالا اضطرت معه " السفسطة " ،

أن تمسك لسانها أبد الدهر. وصاح الشباب من الرذائل فى وجه الكبار منها قائلين :" إنكم تثيرون الاضطراب

بين الخلق أيها السفلة يا من بلغتم أرذل العمر ، إنا نريد أن نعيش ، ولكنكم توهنون عزائمنا بأعمالكم ومواقفكم

، إنا سنوضع فى كتب المطالعة المدرسية - وبدا فى هذا إغراء شديد - ، وسنلمع فى المجتمعات والنوادى ، وستجلنا العوانس ".

وقصارى القول ، إن أسس الوفاق قد وُجدت على الفور ، ولهذا ، فإنه لما عاد " النفاق" إلى أهله ، وأبلغ الأمر

للفضائل ، أجمعت هذه على أن أسباب الانفصال بين الفضائل والرذائل ، وبقائها طائفتين متعاديتين ، قد زالت

إلى أبد الدهر. لكنها رغم هذا لم تجد فى نفسها من الجرأة ما تستطيع به أن تلغى الأسماء القديمة ، وقالى فى نفسها :" ومن

يدرى ، لعل الأمر يعود مرة أخرى إلى ما كان عليه ".

ولهذا قرّرت أن تستخدم هذه الأسماء بحكمة يعرف بها كل مخلوق أنها لا معنى لها إلا الثرى والرماد. وساد

الوفاق ، والتحاب من ذلك الحين بين الفضائل والرذائل ، فإذا بدا " للخلاعة " مثلا أن تقيم بعض الوقت

مع "الزهد " ، تأبطت ذراع " النفاق" ، حتى إذا أبصرها " الزهد " من بعيد جاء ليحييهما قائلا :" مرحبا

بكما ، ادخلا، لقد كنا نتحدث عنكما من وقت غير بعيد ".

وكانت الفضائل والرذائل فى أيام الصوم ، يدعو بعضها بعضا للطعام والشراب اللذيذ المباح فى تلك الأيام .

وفى الأيام التى يجوز فيها الإفطار ، تُقدم كلها على المحرم من الطعام والشراب ، فيرسم الواحد منهما باحدى يديه " الصليب"

، وبالأخرى يرتكب أكبر الآثام ، ويرنو باحدى العينين إلى السماء ، ويحدّق بالأخرى فى الشهوات

لا ينقطع عن النظر إليها أبدا . وذات الفضائل لأول مرة طعم الحلوى ، ولكن الرذائل لم تتخلف هى الأخرى

عنها ، بل إنها كانت تقول بعضها :" إنا لم نذق فى حياتنا مثل ما نذوقه الآن من الطعام اللذيذ".

أما " أيفانشكا " الأبله المسكين ، فلم يستطع أن يسوّى أموره حتى هذا اليوم ، فهو لا يدرى كيف رضيت الفضائل

والرذائل أن تعقد الصلح بينها بوساطة " النفاق" ، وقد كان أكثر اتفاقا مع طبيعة الأشياء أن يلتقى الطرفان على

ذلك الأساس المشترك ، وهذا الأساس المشترك هو أن هذه وتلك ما هى إلا " صفات " ، ثم يتركا الأمر عند هذا الوضع .

"انتهت القصة القصيرة ".

" نقد القصة "

فى الحقيقة هناك ملاحظتان استرعيا انتباهى فى هذه القصة ، وأود عرضهما ونقدهما :

الملاحظة الأولى :

وصف كاتب القصة بأن الفضائل إلى اليمين ، وأن الرذائل إلى اليسار .ولكن فى حياتنا العملية السياسية - فى الأغلب-

فإن هناك من ينتمى لليمين ، ومن ينتمى لليسار ، وليس معنى ذلك ربط الفضائل بأصحاب الاتجاه اليمينى فى

السياسة فقط دون غيرهم ممن ينتمى لحركة اليسار ، ولذا فإننى أود التنويه على قصر " اليمين واليسار " فى

القصة السالفة الذكر مجرد وصف غامض بدلا من كونه تصنيف حقيقى .

الملاحظة الثانية :

وصف المؤلّف كذلك للاعتدال والنظام ، بأن لهما صلات سرية بالرذائل ، ولكن فى الحقيقة ، حينما يكون لهما

صلات سرية بالرذائل ، فهنا يقتربا من " النفاق" ، ويُخلع عنهما صفة الاعتدال والنظام ، وأرجّح أن هاتين الصفتين

ما كان يقصدهما " إيفانشكا" الأبله ، فى البحث عن القاسم المشترك بين الفضائل والرذائل ، وهو - القاسم المشترك -

أنهما " صفات " ، ثم يفترقا بعد ذلك كل فى طريقه بدلا من المعارك الدامية وسط الشارع .



No comments: